مسؤولية من إذا سالت الدماء إلى الركاب؟
قبل أيام عبر رئيس الوزراء العراقي السيد نوري المالكي عن مخاوفه العميقة، بشأن تكوين أقاليم جديدة في الوقت الراهن، وخاطب المطالبين بتشكيل الأقاليم والفيدراليات أو الانفصال بالقول quot; ارحموا الشعب العراقي وارحموا العراق ووحدته، لأنه لو وصل هذا لاقتتل الناس ولسالت الدماء إلى الركاب.quot; (صحيفة المدى بتاريخ 08 تموز 2011) وقال المالكي: quot; إن الدستور العراقي ربما تضمن تشكيل أقاليم، ولكن تضمنها بأصولها وضوابطها وثوابتها ...quot;، وطالب المالكي quot;بالتريثquot; قبل المضي في تشكيل الأقاليم، لأن quot;مناطق العراق ليست على مستوى من النضجquot;، وقال إن quot;الدستور ليس فيه كل شيء واضح.quot;
لماذا يطلق المالكي صرخته التحذيربة الآن، وليس منذ سنوات، عندما بدأ شركاؤه في الائتلاف، ومنذ وقت مبكر، يكررون النداء تلو النداء لإقامة إقليم جنوب بغداد؟ لماذا لم يحذر المالكي في تموز 2008، مثلا، عندما عقد (المؤتمر الأول للحملة الشعبية لإقامة إقليم جنوب بغداد) في مدينة السماوة، أو عندما طالب السيد عبد العزيز الحكيم في عام 2006 بإقامة إقليم جنوب بغداد، وعندما كرر الدعوة ذاتها في 04/1/2008، وعندما كررها نجله عمار الحكيم في 16/1/2008؟
ما هي (الأصول والضوابط والثوابت) الذي يقول المالكي أن الدستور العراقي تضمنها بشأن تشكيل الأقاليم التي يراد لها أن تتكون؟ هل أن السيد المالكي نفسه يعرف هذه الضوابط ؟ ومتى تصل محافظة عراقية إلى (مستوى النضج)؟ ومن يحدد النضج؟ سكان المحافظة، السلطة المركزية، الأحزاب ؟ ثم، كيف ولماذا يتم الاعتماد على دستور (ليس فيه كل شيء واضح)؟ ولماذا كتبنا، أصلا، دستورا غير واضح، إذا طبقت مواده، (لأقتتل الناس ولسالت الدماء إلى الركاب) ؟ ألا يتحمل السيد المالكي، والحزب الذي يقوده، والائتلاف الذي ينتمي إليه، مسؤولية تضمين الدستور نصوصا، ليست غامضة وملتبسة، فحسب، وإنما تقود إلى سفك الدماء؟
إذا أردنا أن نعرف أسباب هذا التناقض، أو هذا الغموض بشأن هذه المواد التي تتعلق بتشكيل الأقاليم، فعلينا أن لا نفتش عنها في الجوانب القانونية، إنما في مشاريع ورؤى ونوايا ومواقف الذين أصروا على كتابة هذه المواد، وأن نعود إلى السنوات الأولى التي أعقبت سقوط النظام السابق ، سنوات (استثمار اللحظة التاريخية قبل فوات الأوان)، سنوات (سلق) الدستور. ولكي نوضح ما نريد قوله، علينا، أولا، أن نستعرض بعض ما تضمنه الدستور من مواد بشأن الأقاليم.

ورد في الفصل الأول في الباب الخامس / سلطات الأقاليم، ما يلي:
المادة (117): أولا: يقر هذا الدستور عند نفاذه إقليم كردستان، وسلطاته القائمة، إقليما اتحاديا. ثانيا: يقر هذا الدستور الأقاليم الجديدة التي تؤسس وفقا لأحكامه.
المادة (119): يحق لكل محافظة أو أكثر تكوين إقليم بناء على طلب بالاستفتاء عليه يقدم بإحدى طريقتين: أولا: طلب من ثلث الأعضاء في كل مجلس من مجالس المحافظات التي تروم تكوين الإقليم. ثانيا: طلب من عشر الناخبين في كل محافظة من المحافظات التي تروم تكوين الإقليم.
المادة (120): يقوم الإقليم بوضع دستور له...
المادة (121): أولا: لسلطات الأقاليم الحق في ممارسة السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية... ثانيا: يحق لسلطة الإقليم تعديل تطبيق القانون الاتحادي ... رابعا: تؤسس مكاتب للأقاليم والمحافظات في السفارات والبعثات الدبلوماسية ...

ما نلاحظه في المواد أعلاه هو، أولا، أنها عبدت الطريق أمام ظهور حالات (إقليمية)، لا يتحملها الواقع العراقي. ويكفي أن نتخيل الصعوبات التي ستخلق عندما تريد كل محافظة أن تكون إقليما (أسوة بإقليم كردستان)، لها حدودها، ولها سلطاتها التشريعية والتنفيذية، ولها رؤسائها، ولها من يمثلها دبلوماسيا. نحن نعرف أن إقليم كردستان تكون قبل نحو عشرين سنة، وما زالت الإدارات في السليمانية وأربيل لم تتوحد بعد، ناهيك عن اقتتال الحزبين الكرديين. فكم من الوقت سيمضي لكي تسوي الأمور، عندما تصبح كل محافظة إقليما. ثانيا، ساوت المواد المذكورة بين الأكراد ومنطقة كردستان، وبين مناطق العراق الأخرى وسكانها، وهذا قفز فوق حقائق التاريخ، واللغة، والعرق، والديموغرافيا، والجغرافيا السياسية، والانثروبولوجيا.

إقليم كردستان لم يخلق من العدم
الجميع يعرف أن منطقة كردستان لها خصوصية تاريخية، وأن الأكراد يختلفون عن العرب، حتى في التفاصيل. إنهم شعب له تاريخه، وله لغته، وله زيه القومي الخاص، وله جغرافيته، وله معاركه الطويلة مع سلطات المركز ببغداد، وله مطامحه القومية، وهم جزء من أمة كردية مبعثرة، لا يحلمون بتوحيدها فحسب، إنما يعملون لتحقيق هذا الهدف. بمعنى آخر، أنهم يسعون لإقامة دولتهم الخاصة بهم، مستقبلا. وهذا الطموح لا يخفيه الأكراد، وسبق أن عبروا عنه علانية.
إقليم كردستان حل سياسي لمشكلة سياسية قومية، فما هو الأساس الذي اعتمد عليه كاتبو الدستور لتشكيل أقاليم جديدة ؟ ما كان في أذهانهم سوى أساس واحد هو، الأساس الديني، أي تكوين أقاليم دينية بأغطية مذهبية. ولعلنا نتذكر كيف أن المتحمسين لتكوين هذه الأقاليم كانوا يكثرون من ترديد تعبير (الحالة الإسلامية)، وأن (شعبنا المسلم لن يرضى عن الإسلام بديلا)، وكيف أنهم طالبوا، بعد انجاز الدستور بأن تصبح تسمية عراق المستقبل (جمهورية العراق الفيدرالية الإسلامية). وهم يقصدون إقامة فيدرالية دينية تقام وفقا لقناعاتهم السياسية والمذهبية، وليس وفقا لما يريده المجتمع المدني في منطقة الإقليم المراد تكوينه، أو لرفع التهميش الذي لحق بالمحافظات الشيعية.

ما الذي يوحد بين (مدينة المليون سائح) وبين (مدينة المليون عريف) الشيعيتين؟
إذا كان مبرر تشكيل الأقاليم الجديدة إداريا، أي أن تستطيع كل محافظة إدارة شؤونها بنفسها بطريقة لامركزية، فلماذا لا يصار إلى تطوير وتعميق قانون المحافظات الذي شرعه البرلمان. وثانيا، لماذا وقف المطالبون بتكوين الأقاليم أنفسهم ضد تشكيل إقليم البصرة، بينما لا يتوقفون عن مطالبتهم بإنشاء إقليم جنوب بغداد ؟
إن الدستور العراقي لم يذكر في جميع مواده، حسب علمنا، تسميات لأقاليم محددة، مثل (إقليم جنوب بغداد)، وإقليم شمال وغرب وشرق بغداد. مع ذلك فأن الحديث عن إقامة إقليم جنوب بغداد لم يتوقف، مباشرة عقب الاستفتاء على الدستور. ومن أجل الترويح له أقيمت مؤتمرات، وكتبت مقالات، وصدرت تصريحات، ووجهت انتقادات للرافضين له. ورغم أن تلك الدعوات صدرت في أعوام 2006 و 2007 ، و2008، أي سنوات الاقتتال الذي عانى منه المجتمع المدني بسبب اقتتال المليشيات المتصارعة الشيعية والسنية، إلا أن إقليم جنوب بغداد لم يجد تأييدا له حتى في تلك السنوات، ولم يتكون ولم يظهر للوجود حد هذه اللحظة. لماذا؟
أحد الأسباب المهمة هو تباين أراء الأحزاب السياسية الشيعية بشأن الإقليم، فكل حزب له رأيه الخاص. لكن السبب الأهم هو غياب تأييد جماهيري واسع لدى سكان المناطق الشيعية لإقامة إقليم كهذا. إقليم جنوب بغداد يفترض أن يشمل محافظات البصرة والناصرية والعمارة والسماوة والنجف والديوانية وكربلاء وبابل والكوت.
نسأل: ماذا يوحد بين هذه المحافظات، غير الانتماء لمذهب واحد، هو المذهب الشيعي؟ وماذا يفرق بين هذه المحافظات كلها وبقية المحافظات العربية السنية، غير الانتماء المذهبي؟ سكان هذه المحافظات وسكان المحافظات العربية الأخرى يتحدثون لغة واحدة، وينحدرون من عرق واحد، ولهم نفس العادات والتقاليد، وأحيانا كثيرة نجد العشيرة الواحدة تنشطر إلى شطرين شيعي وسني، لا يفصل بينهما سوى ساقية. وإذا كان هناك فرق في درجة الحرمان والمعاناة، فأن هذا الفرق نجده وسط المحافظات الشيعة نفسها. إذ كيف نقارن بين محافظة معدمة كالناصرية أطلقت عليها، تندرا، تسمية (مدينة المليون عريف) لأنها ظلت تعيش على ما يحصله أبنائها الجنود من رواتب بائسة، وبين محافظة مترفة كالنجف كانت وما تزال تدخل لخزينتها ملايين الدولارات في الشهر الواحد. وكيف نقارن بين محافظة كالعمارة، ما يزال سكانها حفاة عراة، وبين محافظة مثل كربلاء وصلت أسعار أراضيها السكنية في الوقت الحاضر إلى أرقام فلكية. أما الظلم الذي تعرض له سكان محافظة العمارة الشيعة، مثلا، وأجبرهم على الهجرة إلى بغداد، إنما حصل على أيدي أشقائهم في المذهب الشيعي، من كبار ملاك الأراضي. والمفردتان التحقيريتان، (شراكوة) و (معدان)، اللتان تطلقان على شيعة جنوب العراق، ليستا من ابتكار سكان المناطق السنية، إنما من ابتكار أشقائهم من الارستقراطية الشيعية في النجف وكربلاء وبغداد. هذه ليست مجرد وقائع حدثت ثم ذابت وابتلعها التاريخ، إنما هي حقائق ما تزال قائمة.

(مطبخ) السياسيين العراقيين و (فرن) الشعب
في الأشهر القليلة التي سبقت الاحتلال وسقوط نظام صدام حسين شاع في أوساط (المعارضة آنذاك) التي كانت تتواجد في الخارج، مصطلح (المطبخ)، وكان يراد به شخصيات وقادة أحزاب، اعتبروا أنفسهم (أهل الحل والربط). من انتخبهم، ومن فوضهم ؟ قد تكون الظروف هي التي انتخبتهم، أو الصدف، أو الأميركيون، أو الشيطان، أو الملاك، لكن قطعا ليس الشعب العراقي. كان أولائك الطهاة (وليس كلهم مجاميع من الخونة والعملاء، كما كان صدام يردد) خليطا من أفكار ورؤى متباينة ومتصارعة، لكنهم كانوا يتحدثون ويفاوضون ويعملون كأوصياء عن الشعب العراقي، ومتحدثين بأسمه، رغم أنهم كانوا بعيدين عن نبض الشارع العراقي، وبعضهم كونوا أحزابهم خارج العراق. داخل ذاك المطبخ أعد أولائك الطهاة للعراقيين أنواعا من الأطباق السياسية، دون أن يسألوا العراقيين إن كانوا يستسيغونها أم لا.
وحالما توفرت الفرصة أمامهم، بعد سقوط النظام البعثي، فأنهم قدموا أطباقهم على شكل مواد قانونية، ضمنوها في دستور مشوه سلقوه على عجل، (استثمارا للحظة التاريخية)، أي قبل أن يستفيق الشعب، ويقرر ما يريده بنفسه.
الآن، نحن في عام 2011، وها هو الشعب قد استفاق، فماذا حدث ؟ ما حدث هو، أن العراقيين، يل حتى الطهاة أنفسهم، أو على الأقل بعضهم، أصبحوا، سنة بعد أخرى، على يقين أن ما تم طبخه ليس سوى السم نفسه، وأن خيارين أمام الجميع: أما تعديل الدستور، أو الاستمرار في تجرع السم بانتظار لحظة الانتحار الجماعي، عندما (ستسيل الدماء إلى الركاب). لكن المشكلة الكبرى هي، ما من أحد من هولاء السياسيين يملك شجاعة الاعتراف، وتحمل مسؤوليته في اتخاذ قرارات صعبة لا يستقيم العراق بدونها.