سعدت كثيراً بموافقة الشيوعي كريم كطافة على قراءتي اللينينية لتاريخ الحركة الشيوعية وخاصة أنه الشيوعي الوحيد الذي فعل ذلك ولو مع بعض علامات الاستفهام حول بعض القضايا الهامة من مثل دور quot; المسكين quot; خروشتشوف في انهيار المشروع اللينيني ومسألة حرق المراحل التي غالباً ما يثيرها الحاقدون على لينين ومشروعه الثوري ودور السياسة الإقتصادية الجديدة quot;النيبquot; في تطور مشروع لينين وأخيراً افتقاد الاشتراكية آلية الإصلاح الذاتي كالتي للرأسمالية.

ما كان لرفيقنا الكريم كريم كطافة أن يطرح مثل هذه التساؤلات حول قضايا رئيسية في تاريخ الحركة الشيوعية لو لم يكن لديه القبول المبدئي للقراءة اللينينية لتاريخ الحركة الشيوعية وهو أمر يفتقده عامة الشيوعيين اليوم للأسف الشديد الأمر الذي ليس لدي أدنى شك في أنه سيعطل العمل الشيوعي بشكل قاطع. الحوار حول القضايا التي أثارها رفيقنا كطافة سيكون محاولة أخرى في فتح منفذ في جدار تعطيل العمل الشيوعي وهو أقصى ما يعمله كلانا، كريم وأنا، في هذا الإتجاه. ولنبدأ الحوار من الأخير..

آلية الإصلاح الذاتي : من المعروف تماماً أن أولى القواعد الذهبية في العلوم الماركسية هي أن الصراع الطبقي هو المحرك الوحيد للتاريخ. الصراع الطبقي هو الآلة الخفيّة غالباً التي تعمل وحدها على تطوير كافة المجتمعات الطبقية وأنظمة الإنتاج الخاصة بها من المجتمع العبودي إلى المجتمع الإقطاعي إلى الرأسمالي إلى الإشتراكي. ما يتجاهله العامة هنا هو أن المجتمع الإشتراكي هو مجتمع طبقي بل إن الطبقية فيه أكثر بروزاً من كافة المجتمعات التي سبقته نظراً لحدة الصراع بين الطبقة الوسطى ذات الإنتاج الفردي ذي الطبيعة البورجوازية والطبقة العاملة ذات الإنتاج الجمعي الشيوعي. وقد أكد ستالين في خطاب له أمام اللجنة المركزية في مارس 1937 أنه كلما تقدم المجتمع على طريق الإشتراكية كلما ازداد العداء الطبقي بروزاً. في المجتمع الإشتراكي حيث يتم quot; محو quot; الطبقات نهائياً من التاريخ بواسطة سلطة دكتاتورية البروليتاريا المطلقة يبرز الصراع الطبقي أكثر حدة من المجتمعات السابقة للإشتراكية. الصراع الطبقي هو ما يتكفل بتصحيح الأعطال والأخطاء في مختلف أنظمة الإنتاج. كانت حيوية الرأسمالية تتجدد كلما استطاعت الطبقة الرأسمالية من تحقيق إنتصار ما على الطبقة العاملة بعد معركة طبقية حادة ؛ وبالمثل كانت الإشتراكية تتقدم وتتوطد كلما نجحت الطبقة العاملة السوفياتية من إلحاق الهزيمة بأعدائها، بالرأسماليين والإقطاعيين أولاً ثم بأغنياء الفلاحين والتجار وبورجوازية المدن من بعد ؛ وأخيراً انهارت الإشتراكية بعد أن استطاعت الطبقة الوسطى، الفلاحون التعاونيون والعسكر في مجمع الصناعات العسكرية وقادة الجيش، إلحاق هزيمة حاسمة بالطبقة العاملة السوفياتية. يتبنى العامة فكرة خاطئة تقول بانهيار النظام بسبب أخطاء حكامه. الأخطاء لا تقوض أي نظام اجتماعي، فالطبقة الحاكمة أسبق في التعرف على أخطاء ممثليها في السلطة وتتكفل دائماً بتصحيح تلك الأخطاء خشية أن يفلت زمام السلطة من يدها ؛ ما يقوض النظام الإجتماعي، ويبدله بنظام آخر، هو دائماً الصراع الطبقي.

حرق المراحل : من المفيد لدى التطرق لمسألة حرق المراحل، التي نسبتها الأممية الثانية وعلى رأسها كاوتسكي وبليخانوف للينين، أن نسلط الضوء على أمرين في غاية الأهمية في هذا السياق. الأمر الأول، وهو أن حركة البلاشفة في الإستيلاء على السلطة وإسقاط حكومة كيرانسكي لم يكن ثورة اشتراكية كما وصفت خطأً فيما بعد. ولذلك جرى وصفها العلمي والدقيق بالإنتفاضة وليس الثورة ـ Insurrection، not Revolution. الشعب الروسي بمختلف طبقاته الشعبية دفع البلاشفة بقوة للإستيلاء على السلطة من أجل إنجاز استحقاقات الثورة البورجوازية في شباط 1917. وما يجدر ذكره في هذا المقام هو أن الأممية الثانية كانت قد قررت في اجتماعها العام في بازل بسويسرا 1912 أن يقوم الإشتراكيون الروس بالثورة البورجوازية نيابة عن البورجوازية الروسية الهشّة. لذلك أول ما قامت به حكومة لينين صبيحة الإنتفاضة هو إصدار مرسوم السلام والإنسحاب من الحرب ثم إصدار مرسوم الأرض القاضي بتأميم الأرض. السلام والأرض كانا أهم مطلبين في برنامج الثورة البورجوازية. ثم دعا لينين صبيحة الإنتقاضة جميع الأحزاب دون استثناء للاشتراك في الحكومة وهذا ينفي الطبيعة الإشتراكية لانتفاضة أكتوبر. القول بأن لينين استعجل الإستيلاء على السلطة فيه تجاهل لحقائق الأمور فمصير روسيا كان على المحك وسيتقرر في المعارك الحاسمة خلال يوم أو يومين وراجت إشاعات آنذاك عن مفاوضات سرية بين ألمانيا وإنكلترا لاقتسام روسيا ؛ كل ذلك وحكومة كيرانسكي ترفض الإنسحاب من الحرب كما يطالب الشعب وفصائل واسعة من حزب كيرانسكي نفسه، الحزب الإشتراكي الثوري. ليس البلاشفة هم من فرض الحل الإشتراكي على روسيا بل إنهم أعداء البلاشفة من جميع الطبقات الذين رفعوا السلاح بوجه السلطة الجديدة إثر توقيع معاهدة صلح مع ألمانيا التي كانت تحارب الروس داخل أراضيهم. شنوا على البلاشفة حرب إبادة واستدعوا الجيوش الأجنبية لتحقيق أغراضهم ؛ وعندما فشل الجميع لم يبق على الساحة أية قوى اجتماعية بورجوازية تقوم ببناء نظامها البورجوازي الرأسمالي. لم يبق أمام البلاشفة من خيارات سوى الشروع ببناء الإشتراكية. ليس لينين من حرق المراحل بل هي البورجوازية الروسية ومنها حزب الإشتراكيين الثوريين وحزب المناشفة وحزب الكاديت وحزب الشعب الديموقراطي وغيرها. أما الأمر الثاني، فهو أن الإشتراكية استمرت في التقدم طالما كانت روسيا زراعية أكثر منها صناعية وفي العام 1956 وقد غدت صناعية من الدرجة الأولى بدأت الإشتراكية بالتقهقر واستمر ذلك حتى الانهيار سنة 1991.

السياسة الإقتصادية الجديدة (النيب) : بعد حروب متوالية استمرت ثمان سنوات 1914 ـ 1921 لحق بالصناعة الروسية تدمير واسع وخسرت الطبقة العاملة أوعى كوادرها في الدفاع عن الثورة الإشتراكية. في العام 1922 جوبه لينين بوضع فريد ترتب فيه أن يعيش عمال المدن عالة على الفلاحين ومثل هذا الجور لن يكون مقبولاً على طبقة الفلاحين العريضة بالطبع وكانت تشكل ما يساوي ثلاثة أضعاف الطبقة العاملة الأمر الذي من شأنه أن يهدد مستقبل الثورة. لذلك رسم لينين خطة اقتصادية(NEP) جديدة تبيح للإنتاج البورجوازي أن ينتعش ويأخذ دوراً يكفل تبادلاً عادلاً بين إنتاج الفلاحين من جهة وإنتاج العمال من جهة أخرى. استمر العمل بهذه السياسة حتى العام 1926 حين عاد الإنتاج الصناعي في الإتحاد السوفياتي إلى مستوى العام 1913 قبل الحرب. عندئذٍ انتهج ستالين سياسة الإستغناء عن خطة النيب تدريجياً وهو ما أثار خلافاً حاداً بين ستالين وفي صفه غالبية اللجنة المركزية في الحزب ومن ضمنهم تروتسكي وبين نيقولاي بوخارين (حبيب الحزب بوصف لينين) وأليكسي ريكوف رئيس الوزراء آنذاك. كان بوخارين قد رفع شعار quot; أيها الفلاحون اغتنوا بأنفسكم quot; دعماً لسياسة النيب ولم يرعو ِعن الاتصال بهتلر في أواخر الثلاثينيات والتآمر على الدولة السوفياتية دفاعاً عن نمط الإنتاج البورجوازي للفلاحين كما تهيأ له.

المسكين خروشتشوف:
فاجأني الرفيق كريم كطافة بوصفه نيكيتا خروشتشوف ب quot;المسكينquot;. ليس مسكيناً من لديه الحيلة والقدرة اللتان تمكنانه من الوصول إلى عضوية المكتب السياسي في الحزب الشيوعي السوفياتي. وبمختلف المعايير يعتبر خروشتشوف أحط شخص وصل لعضوية المكتب السياسي بعد لافرنتي بيريا بالطبع. حال رحيل ستالين في مارس 1953 تولى خروشتشوف الأمانة العامة المسئولة عن تنظيم الحزب فأجرى خلال الشهور القليلة التالية تغييرات وتبديلات في قيادات الحزب في كافة الأقاليم والمدن لصالح رجاله والفاسدين مثله الأمر الذي مكنه من إزاحة مالنكوف من مركز الأمين العام في سبتمبر بمساعد القيادات العسكرية حيث ضغط مالنكوف لتنفيذ النفقات العسكرية لصالح زيادة الإنتاج المدني والسلع الاستهلاكية. من أجل أن يكون في قمة هرم السلطة سلّم خروشتشوف القرار الوطني في الإتحاد السوفياتي للقوى العسكرية بدل الحزب ومذّاك بدأت الأمور تسوء والتقدم الإشتراكي يتراجع ولم ينتهِ الأمر بقيام العسكر بتفكيك الإتحاد السوفياتي وشطب المشروع اللينيني من التاريخ بل ما زال القرار الوطني في روسيا الإتحادية بأيديهم رغم كل الفقر والجوع والهوان الذي جلبه العسكر للشعوب السوفياتية ولشعبهم الروسي. اشتبه به مولوتوف، وهو أقدم البلاشفة بعد لينين وستالين، أنه شارك بيريا التآمر على حياة ستالين ولذلك أمر باعتقاله حال تسلمه قياد الحزب في سبتمبر 53 وأجرى له محاكمة سريّة وسريعة جرى إعدامه حال صدور الحكم ؛ تم كل ذلك خلافاً لتقاليد الحزب. لئن كان اشتباه مولوتوف خاطئاً، وهو صاحب الخبرة الطويلة والعميقة في شؤون الدولة السوفياتية والحزب، فإن قيام خروشتشوف باغتيال شخصية ستالين بقيمتها التاريخية في الحركة الشيوعية وفي الحياة السوفياتية وبصورة تآمرية، كما تم في المؤتمر العام العشرين للحزب عام 56، هو حقيقة كبرى لا تحتمل الإشتباه. ففي جلسة سرية طلبها خروشتشوف نفسه فاجأ أعضاء المؤتمر ورفاقه في المكتب السياسي، وهذا مخالف لأصول العمل في القيادة وفي الحزب، بتقرير أعدّه له أعداء الحزب والثورة سحبه من جيبه وتلاه على المؤتمر يتهم ستالين بممارسة طقوس عبادة الفرد وهي أبعد التهم عن ستالين بالذات. ثمة مائة واقعة وواقعة تنفي عن ستالين مثل هذه التهمة الرخيصة تحديداً عن ستالين، الذي حافظ طيلة حياته على أن يكون مثالاً في إنكار الذات، ليس أهمها رفضه لمبادلة إبنه البكر ياكوب في المعتقلات النازية بضابط ألماني أعلى رتبة منه فكان أن قتله الألمان في حين أن حقد خروشتشوف على ستالين كان برأي مولوتوف بسبب رفضه تجنيد حملة للبحث عن ابن خروشتشوف المفقود في المعركة. لعل خروشتشوف لا يعرف أن ستالين حافظ طقس بذاته وهو أن يحمل أينما سافر وجه لينين الشمعي (face-mask) يعلقه مضاء فوق رأسه عند النوم. قطعاً شخصاً quot;يعبدquot; لينين مثل هذه العبادة لا يعبد ذاته. وعلا صراخ خروشتشوف في التقرير السري يشجب دكتاتورية ستالين الفردية ويستنكر غياب الديموقراطية واعداً أن يشيع الديموقراطية في المجتمع وفي الحزب. وفي السنة التالية، في جزيران 1957، تحققنا من ديموقراطية خروشتشوف. فكان أن سحب المكتب السياسي الثقة منه الأمر الذي رتب عليه أن يستقيل حالاً من الأمانة العامة للحزب ومن رئاسة مجلس الوزراء، لكنه عوضاً عن ذلك دبر إنقلاباً مدعوماً من جنرالات الجيش وأمر المارشال جوكوف بجلب جميع أعضاء اللجنة المركزية للحزب من كافة أطراف الإتحاد السوفياتي القصيّة بالطائرات الحربية السريعة خلال 24 ساعة. إجتمعت اللجنة المركزية اجتماعاً غير قانوني، إذ لا تجتمع اللجنة المركزية إلا بدعوة من المكتب السياسي الذي لم يدعها، وقررت إلغاء قرار المكتب السياسي، وهو ما يحدث لأول مرة في تاريخ الحزب، واحتفاظ خروشتشوف بوظائفه ؛ وأكثر من ذلك قررت اللجنة المركزية إزاحة جميع البلاشفة من المكتب السياسي وتم طردهم من الحزب فيما بعد. جريمة خروشتشوف التي لا تغتفر هي أنه نقل القرار الوطني من الحزب إلى مجمع الصناعات العسكرية بإدارة جنرالات الجيش وهم الذين قاموا بالإنقلاب عليه وطرده من الحزب في العام 1964 بعد أن تحقق من جرائمه وعاد يطالب بخفض النفقات العسكرية، الطلب الذي كان قد أسقط مالنكوف قبل عشر سنوات.

كيلا يسيء فهمي رفيقنا العزيز كريم كطافة فعلي أن أؤكد أن انحراف خروشتشوف وإنكاره لقواعد ذهبية في الماركسية ومخالفاته الفجّة لأهم قواعد التنظيم الحزبي لم يكن بسبب غباء خروتشوف فقط بل لأنه كان فعلاً الممثل الحقيقي للطبقة الوسطى السوفياتية بشريحتيها الكبيرتين وهما العسكر والفلاحون. كان خروشتشوف الإبن الحقيقي بالمعمودية لبوخارين فعاد إلى شعار بوخارين عام 1925 القائل.. quot; أيها الفلاحون اغتنوا بأنفسكم quot;. بحجة معارضة سياسته في quot; إحياء الأراضي البكر والبورquot; تم طرد جميع البلاشفة من الحزب. تقرأ مذكراته عن خطته في زراعة شمال كازاخستان قريباً من الدائرة القطبية بالقمح فيغشى عليك من الضحك ولا تملك إلا أن تتساءل كيف لمثل هذا الغبي أن يشغل محل لينين وستالين. كان ستالين يعرف تماماً مقدار غباء خروشتشوف لكنه مع ذلك كان بحاجة لرجل ديناميكي كخروشتشوف. وظف ستالين ديناميكية خروشتشوف المنقطعة النظير لصالح تقدم الإشتراكية فكان أفضل من ينفذ المشاريع كما هي مرسومة بدقة شديدة ؛ لكن الديناميكية لا شأن لها بالإنتماء الطبقي وهو الإنتماء الذي لم يسبق امتحانه زمن ستالين.

فـؤاد النمري
www.geocities.com/fuadnimri01