إمكانية الحل الجذري للقضية الفلسطينية:quot;حل السلطة وآفاق النضال التحرري الشعبيquot;

إن القضية الفلسطينية أصبحت مأزقا إنسانيا وعربيا، يشهد يوميا على اختلال العدالة الإنسانية وعدم وضوح قيم التحرر والنضال و التضامن لدى هذا الكائن، كما تبرز هذه القضية كذلك اختلالا في ميزان تقييم الأزمات من طرف المؤسسات العالمية المهتمة طبعا بمثل هذه القضايا...ففشل المؤسسات الدولية في الخروج بالصراع العربي الإسرائيلي إلى مرحلة تنضج فيها الأفكار لتقارب أوجه الحل وإمكانياته، لدليل على أن هذه المؤسسات غير قادرة على حسم مشاكل الإنسان المعاصر؛ والتي تنفجر بين الفينة والأخرى هنا وهنالك بل هو دليل على فقدان هذه المؤسسات للمصداقية و المشروعية.


ومما زاد الأمر تعقدا للمسألة الفلسطينية الصراع الدامي الدائر بين منظمات تدعي؛ أنها ممثلة لشرائح اجتماعية وفكرية فلسطينية، انبثقت منها وعنها لتدافع عن طموحاتها في التحرر والاستقلال والكرامة، وتدفع ثمنا لذلك الغالي والنفيس، وتقدم دماء الشهداء والمناضلين في كل حين من أجل تحقيق تلك المطالب والطموحات، هذا الصراع الجائع و الخائن الدائر الآن في الأراضي المحتلة هو تعبير عن انحراف فكري و اجتماعي، لأنه وبكل بساطة وقع في زمان ومكان غير ملائمين و بين أطراف لا يعقل أن يصل بها الأمر إلى وضعية التقاتل و الصراع الدامي من اجل الإفناء و الإلغاء، إنها حالة لا تحتمل وهي وضعية شاذة بالنظر إلى الزمان والمكان و الأرض والشعب والقضية.


لقد ضعفت خيارات الوحدة وكرست التفرقة، وضاق مجال الاختلاف والاجتهاد في الفضاء الفلسطيني، مما يعني بالضرورة أن الصراع والذي هو طريق لتصفية الاستعمار الإسرائيلي للأسف أصبح شيئا هامشيا، ومن المعلوم أن من يغلق عليه باب الخيارات ويضيق باب الاختلاف والاجتهاد وباب المناورة خاصة في مثل هذه الظروف يفقد معه مفتاح المشروعية ويحسم الصراع لغير مصلحته بالقوة أو بدونها، لأنه في الأخير فاقد لقيمه وضرورة وجوده و لهدف إنشائه.


فأغلب الحركات التحررية الفلسطينية اليوم قد انحرفت بتصوراتها وبمواقفها وبأعمالها إلى طريق لا هوية لها ولا نهاية؛ غير نهاية الدم وموت حلم الوحدة والدولة، ولتسقط كل القيم الفلسطينية المشتركة الأخرى.
فخيار التقاتل الداخلي يعطي فرصة وحيدة وفريدة للكيان الغاصب لتوجيه ضرباته القاتلة إلى الصدر الفلسطيني، وليس فقط للكوادر والمناضلين، و لكن أيضا لكل القيم المشتركة التي تأسس عليها المجتمع من كرامة وتضامن وتآخي... بل وتنقلب هذه القيم من عناصر قوة وتوحيد إلى عناصر تعزز الشك و الريبة والانفصام و النفاق الاجتماعي والسياسي و الفكري والنضالي، ومن دخل هذا الدرب الضيق فقد كتب عليه أن يعيش التيه والشقاوة و المأساة.


إن منطلقات التحرر التي عملت حركات التحرير الفلسطينية بشتى عناصرها لم تكن يوما من الأيام تقتضي الوصول إلى مثل هذه النتائج المحزنة، بل لم يتصور أحد أن يصل الأمر إلى مثل هذا المأزق، فلابد إذن من التوقف والوقوف حالا عن الاستمرار، وجميع الفصائل هي معنية مباشرة بذلك، ومن أجل خلق جو يضمن مراجعة مواقف الجميع بجدية ومسؤولية، لأن الظرفية تستلزم إبداع مسارات جديدة وخلق منطلقات أخرى، ربما تستطيع بها القوى الفلسطينية معالجة الانحرافات التي وقعت، وتقييم الوضعية الحالية، ولما لا التأسيس من جديد لمنطلقات متجددة، ليس فقط للخروج من الأزمة ولكن أيضا لإعطاء فرصة للحركية الفكرية والنقدية لمسار النضال وتطلعات الشعب التحررية.


من جهة أخرى، فاستفحال التقاتل والانقسام الداخلي، وفشل المفاوضات البينية الداخلية، وبين السلطة والكيان الغاصب، لدافع أساسي وحجة قوية للسلطة الفلسطينية أن تتأكد من أن مساراتها لانجاز شيء للشعب الفلسطيني عن طريق التفاوض بنفس الطريقة وبالشروط الحالية ومحاولة الدفع بعملية السلام من جانب واحد، انعدمت نتائجه الآن أو تكاد ينعدم، وأن تلك المنطلقات التي تنادي بها إلى الآن قد استكملت دورتها في الحياة كما يستكمل أي فكر أو كائن حي دورته الحياتية، والبدهي أن ننعتها بالفاشلة، وأظن أنه لم يبق لها إلا أن تعلن بنفسها عن وفاة ما كان يسمى بالسلطة الفلسطينية، وتسلم زمام الأمور والمبادرة مرة أخرى ومن جديد لمنظمة التحرير الفلسطينية، لان السلطة الفلسطينية في النهاية ليست سوى تجربة نضالية، وليست حلا جذريا لما كان يحلم به كل إنسان عربي أو فلسطيني أو حتى مناضل تحرري عالمي، إن السلطة الفلسطينية ما كانت لتكون يوما حلا نهائيا بل ما خرجت للوجود إلا لتكون تجربة في سياق عالمي ومحلي، فهي كانت حلا ظرفيا، يرتبط أساسا بمناخات وتغيرات محلية ودولية معينة.

إن الدعوة والعمل على إنشاء دولة فلسطينية لها كامل الحقوق و المقومات لتستمر في ظروف الاحتلال؛ ليس إلا نداء في واد وحلما مشوها سيتحول بقدرة قادر إلى كابوس مؤلم، وهو الآن في واقع تجربة السلطة الفلسطينية ما هو إلا كوميديا عربية مستمرة على أساس واهم وواهن أيضا، وتعيش على حزن وألم الشعب الأبي، فالأزمة الحالية التي تتخبط فيها فصائل المقاومة، وكذلك أفراد الشعب يجعل الجميع يتأكدون يوما بعد يوم بأن الأمر قد انحرف عن واقعه ولزم مع ذلك التنقيب عن خيارات جديدة.
الحل الجذري الذي يشبه الدواء العلقم للصراع الفلسطيني- الفلسطيني والصراع العربي/ الإسرائيلي، لا أظنه يكون أكثر من بدء تجربة مقاومة شعبية جديدة وفق تصور جديد، بعيدا عن الجامات السلطة وحساباتها الخاسرة..


ثم إن التوافق الداخلي ضروري للمقاومة واستمرارها، والصراع الفصائلي في فلسطين لم يكن شيئا حديث العهد، ولكنه حدث نتيجة تراكم تاريخي وإيديولوجي واجتماعي، ومراجعة هذه العناصر السلبية في ثقافة المقاومة و المجتمع، لن يكون بالأمر السهل ولابد له من ثمن، وللخروج من المأزق وجب إعلان سقوط السلطة الفلسطينية، ليتسلم الشعب السلطة مرة أخرى ولو عن طريق منظمة التحرير الفلسطينية، وربما بها يتجدد نفس المقاومة من جديد، وتتوضح خيارات أخرى، ويتأسس جيل جديد قادر على التفاهم والمفاوضة والانسجام مع خياراته الفكرية ومقدساته الوطنية وطموحاته التحررية.

يوسف محمد بناصر
كاتب وباحث
المغرب