لاريب من ان الاتجاهات و الحرکات المتطرفة الاسلامية التي نمت و ترعرعت هنا و هناك(بدعم خارجي و إقليمي مشبوه)، وماإقترفته من جرائم و جنايات مختلفة يندى لها الجبين الاسلامي قبل الانساني، قد دفعت و تدفع العديد من الکتاب و المثقفين کي يقفوا موقفا سلبيا أو على الاقل غير إکتراثي من الفکر الاسلامي معتقدين بأن الاسلام(وحاشاه من ذلك) يعاني قصورا في التعامل و التصدي للمفاهيم الانسانية، هذا الفهم و التصور، هو في حد ذاته بمثابة خدمة مجانية قدمها و يقدمها اولئك الاخوة المثقفون و الکتاب من دون قصد او سابق إصرار لتلك التيارات السياسية و الفکرية الغريبة و الطارئة على الاسلام وهي للأسف تساهم في ترسيخ أقدامهم أکثر فأکثر في دول المنطقة و تصورهم کنماذج سياسية و فکرية بديلة.

ان جعل تراثا فقهيا فکريا معطائا کالاسلام مرادفا لهکذا تيارات ضالة تدل بصورة أو بأخرى على عجز و قصور الفهم الادراکي و البحثي للمثقف و الکاتب العربي من حيث عدم سعيه الجاد و المثمر في مناهل و مصادر الفکر الاسلامي المتباينة لإکتشاف أصالة و معاصرة مفاهيم هذا الدين الحنيف للنزعات الانسانية و حمله لواء الدفاع و الذود عنها.

يقول سبحانه و تعالى في محکم کتابه المبين:(ولقد کرمنا بني آدم و حملناهم في البر و البحر و فضلناهم على کثير ممن خلقنا تفضيلا)quot;الآية 70 سورة الاسراءquot;، هذه الآية التي تدل و بوضوح لاغبار عليه من ان الانسان في المعيار الاسلامي هو أکرم الخلق وأکثرهم تفضيلا وان هذا التکريم لم يأت إعتباطا وانما لان الانسان و خلال سفره عبر المسار التأريخي قد أثبت بأنه الاکثر جدارة و الافضل لکي يکون ظل الله و خليفته على الارض، لکن القرآن لم يطلق التکريم و التفضيل الانساني هذا عنوة او من دون مقومات و اسس محددة حيث ان هذا الذي أکرمه و فضله رب العزة على کافة خلقه، لن يکون جديرا بهذا الامر مالم يحمل جملة خصائص و مقومات تؤهله لحمل هذا الشرف الذي ليس بعده من شرف، وهذه الخصائص يحددها الباري عزوجل في الکثير من الآيات الاخرى لکن الاهم منها هو ماجاء في سورة الشمس(ونفس و ماسواها فألهمها فجورها و تقواها قد أفلح من زکاها و خاب من دساها)، ان الانسان المکرم و المفضل والذي يريد أن يکون حاکما على الطبيعة و راعيا لها لابد من أن يتحلى بخصلات حميدة تجعله جديرا بذلك وانه مالم يکن حاملا ماهية و مضمونا بالغ الايجابية فلن يکون بإمکانه أبدا ان يسير الامور وفق السياق العقلاني و المنطقي ومن هنا فإن ضرورة ان يکون هذا المکرم المفضل حاملا لقدر أکبر و أفضل من القيم و المبادئ يغدو شرطا اساسيا وفق المفهوم القرآني إذ ان الانسان الذي ينتصر على نفسهquot;الشريرةquot;و يکبح من جماح غرائزه و يسيرها وفق المتطلبات العقلية و المنطقية، لقادر على أن ينتصر على واقعه الموضوعي و يدفع الظلم عن الابرياء و يحاسب الظالمين عن جرائمهم و أعمالهم الشريرة.

في حديث قدسي بديع و غاية في الروعة يقول خير الرسل و أکرمهم(ص)على لسان الباري القدير: (ياعبادي إني حرمت الظلم على نفسي)، وعندما يبادر خالق السماوات و الارض الى الاقرار على نفسه أمام عباده بأنهquot;وهو القادر على کل شئquot;، قد حرم على نفسه طواعية الظلم فإن لذلك معان واهداف سامية لابد من سبر أغوارها والبحث عن غاياتها الاساسية وهي لعمري تدل على ان الله سبحانه و تعالى القادر على کل شئ حينما يترفع عن الظلم، فإنه يريد أن يعلم خليفته الانسان قبح و شناعة الظلم و يدفعه لتجنبه بکل مااوتي من قوة و جهد.

وعندما نطالع قولا مأثورا للأمام عليquot;عليه السلامquot; عندما يقول:(الناس صنفان، اما اخ لك في الدين او نظير لك في الخلق)، فإن هذا القول يدفعنا أيضا للتمعن فيه حيث يشير أمير المؤمنين وفي ذلك العصر الى العنصر الانساني و يؤکد على قيمته و أهميته و هذا الامر بحد ذاته يثبت ان الاسلام هو اول من حمل بحق راية الدفاع عن الانسان بعيدا عن کل تعصب ديني أو عرقي أو مذهبي. وعندما نجمع الحصيلة الاساسية لهذه الاقوال المبارکة في بوتقة واحدة ونسعى لإيجاد أرضية مشترکة فيما بينها فإننا نجد أنفسنا أمام نظرية انسانية بديعة تؤکد قوة و عظمة الاسلام و قدرته على التحدي طوال العصور، اننا بهکذا طريقة نتمکن من طرح ديننا الحنيف على انه يمثل العمق الحضاري الاخلاقي للإنسان و هو الوحيد الذي يحمل في ثناياه أسس و مبادئ خلاص و سعادة الانسان.

*الامين العام للمجلس الاسلامي العربي في لبنان