ترددت كثيرا في مقالتي الاخير ة quot; الريس فين quot; في وصف حسني بصنم مصر لاعتبارين، الاول ان صنم العراق الساقط لايجاريه احد في صنميته لذلك يجب ان يظل محافظ على quot; ميزته الصنمية quot; هذه دون منافس، والسبب الاخر ان كل الاخطاء الجسيمة لحسني لاتصل لكارثة واحدة من كوارث صنم العراق الساقط. لكن خطاب حسني الاخير مساء يوم الثلاثاء أثبت دون لبس ان غالبية عقلية الحكم العربي لاتجاريها في التدني الفكري والانحطاط الضميري اي دوائر حكم اخرى على مستوى الكرة الارضية. لقد خرج حسني بخطاب ثاني له خلال اسبوع من فترة الثورة المصرية الشعبية يحمل بين طياته كم هائل من التخبط والتقوقع الشخصي والنفسي الذي يجمع كم هائل من المغالطات والتناقضات عندما يدعي ونصا quot; اني لااحب الجاه والسلطة !!... واني حاربت دفاعا عن مصر !!... واني اصلا لم اكن انوي الترشيح لدورة رئاسية جديدة !!.. وان الفوضى ستكون في مصر من بعدي !!quot;. وهذه جميعها حزمة استفزازت لمشاعر وعقول الشباب المصري الواعد و الذي يستوطن ميدان التحرير وسط القاهرة وكل مدن مصر الاخرى. فاذا كان من يحكم 30 عام لايحب السلطة والجاه، فماذا يحب اذن !؟ ثم مسالة المشاركة بحرب اكتوبر هذه تجارة كاسدة لان عشرات الالوف من المصريين شاركوا بهذه الحرب ومئات القادة ساهموا بقيادة الحرب، فهل هولاء جميعا يستحقون ان يكونوا بموقع الرئاسة المصرية، ولعقود متتالية دون انقطاع !؟.

احداث وتفاصيل ثورة مصر العربية ورغم انها لم تتوج حتى هذه اللحظة بالسقوط الرسمي لصنم مصر، لكنها تقدمت بشوط مهم على ثورة البطل البوعزيزي في تونس وذلك عندما اخذت فرصتها التاريخية المناسبة لفضح طريقة التفكير الديكتاتوري في اليات الحكم العربي، فخلال ثلاث ايام غير صنم مصر رئيس الحكومة والوزراء وعين نائب رئيس وأمر بتعديل مواد دستورية خطيرة دون الرجوع الى برلمان او اي مؤسسة دستورية منتخبة من الجمهور بل استخدم هذه الصلاحيات الشاذة في الحكم كمطية لتسهيل بقائه في الحكم لاكثر فترة ممكنة دون أدنى مراعاة لمشاعر ملايين المصريين الذين افترشوا الشوارع لايام عديدة او دون أدنى حتى مجرد الاشارة لدماء اكثر من 300 شهيد واكثر من 3000 الف جريح و100 مفقود هم وقود هذه الثورة الرائدة في طريقة ادارتها والمميزة حتى هذه اللحظة. ان رد ثوار ثورة مصر كان يدوي حتى قبل نهاية حسني لخطابه بعد شعورها المباشر بمدى الاستخفاف الذي أبداه ديكتاتور مصر الذي تمثل بشكل المتفضل على شعب يطالب بحقوقه الانسانية والدستورية.

ان شعب مصر العربي الاصيل العريق يستحق حاكما اكثر توازن واكثر حكمة من صنم يلقي بكلماته والبلد على حافة الخطر وعلى ابواب تغير تاريخي جوهري، لكنه مع ذلك يخاطب الشعب المصري بتكبر فارغ وبعنترية بائسة تتوعد ابطال الثورة عندما اشار الى quot;معاقبة الذين تسببوا بهذه الفوضى والحرائق quot; وهي اشارة مباشرة واضحة الى وقود الثورة من الشباب الابطال. ان صنم مصر كان في خطابه مأزوم ومن الواضح كان يعاني من تقوقع نفسي لشخص منطوي على نفسه لايسمع سوى أمنياته الخائبة بينما غاب عن اسماعه هدير ملايين الحناجر كانت تهتف لرحيله اليوم قبل الغد، ان حسني سقط نفسيا ومعنويا وواقعيا سقط عندما وضع كرامته بكفة وكرامة اكثر من 80 مليون مصري بالكفة الاخرى، لذلك دخل قائمة الاصنام العربية بامتياز واحتل موقعه الصنمي في القائمة العربية المفتوحة الساقطة التي ضمت قبله صنمي العراق وتونس الساقطين.

ان مؤشرات وتفاصيل و طرق واليات تساقط الاصنام العربية والتي تضع كرامة ومصالح الشعوب والاوطان في كفة ومصلحة الحاكم وعائلته في الكفة الاخرى تشير الى حالة حكم عربي مزمن متردي من الواضح انها تستمد جزء كبير من عوامل استمرارها من بيئة عربية مساعدة ومن تاريخ مزيف وحاضر مغتصب يقود الى مستقبل ظلامي مجهول، لذلك حاجة امتنا العربية تكبر وتتعاظم الى رواد فكر ورموز تنوير ثقافي وعلماء اجتماع لبناء مجتمع عربي يتحسس الديكتاتورية في بداياتها فيطمرها قبل استفحالها. والا مامعنى كرامة الاصنام صدام وزين وحسني امام كرامة العراقيين والتونسيين والمصريين !؟ وكيف وصلت هذه الاصنام الى الحكم ؟ وكيف استطاعت هذه الاصنام ان تربط مصالح الاوطان بسقوطها !؟ أسئلة مهمة يجب ان تؤسس مراكز بحوث خاصة تقتبس وتتابع وتحلل وتؤشر وتخطط وتقترح والا سنكون على موعد جديد مع اصنام جديدة نورثها لاجيالنا القادمة وهذا هو العبث التاريخي بعينه.

[email protected]