قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

يستغرب السوريون الذين يعانون أشكالا بشعة من القتل، وألوفا من حالات الاعتقال، والحصار, وحظر التجول، والترويع، والاتهام، بالخيانة، والاندساس، من صمت عربي رسمي، على الرغم من أهمية هذا البلد، وأثر الاضطرابات، أو الفوضى التي تهدده، على سائر المنطقة العربية.
فبعد كل هذه الأسابيع من التظاهر، وكل هذا القمع الذي هو أشبه بحرب حقيقية، تشن على شعب أعزل، يطالب بحقوقه الدنيا، والطبيعية بالعيش الكريم، والحرية، ومنع استئثار حزب واحد، أوحد بحياة الناس، ومصير البلد، في وقت تشهد فيه المنطقة العربية تحولا، واستحقاقات لا بد منها، لم يصدر عن الجامعة العربية، أو عن أية دولة عربية، بصفة منفردة، موقف مندد، أو يرتقي إلى مستوى الوضع، وخطورة تداعياته.

فما سبب غياب الموقف العربي؟
وهذا يدل على أن الوضع العربي لم يصل بعد إلى مرحلة جديدة فاعلة، على المستوى الإقليمي، بل، على المستوى العربي، نفسه. وربما كان السبب في هذا الموقف العربي الذي قد يوصف باللاموقف أن الأزمة في سوريا، وإن تصاعدت، وجاوزت التجاوز، أو التحجيم، إلا أنها ما تزال، في نظر، بعض الدول الغربية، ولا سيما أمريكا، قابلة للتطويق، وآخر موقف أمريكي عبر عنه الرئيس الأمريكي، كان تخيير بشار الأسد بين الإصلاح، أو الرحيل. وفُهِم من هذا أن الإصلاح ما يزال مقبولا من النظام، ومطلوبا منه.
ومع ذلك، فإن الآمال المعلقة على النظام في سوريا، ليست كبيرة، أو مطلقة، حتى أمريكا تفتح الباب الآخر، وتعدُّ له، وهو رحيل النظام؛ لأن مطالب المتظاهرين مستمرة، وجوهرية، إنهم يريدون تغييرا حقيقيا، يشمل بنية الدولة، والحياة السياسية، والحزبية، وإنهاء احتكار حزب البعث، للدولة، ومقدراتها. وهذه درجة من المطالب عالية السقف، يصعب على نظام كالنظام في سوريا المؤسَّس على الأجهزة الأمنية، والمتحالف مع رجال أعمال، وأثرياء، لا يتنازلون بسهولة عن امتيازاتهم، ونفوذهم المالي.

تعاون أمريكي تركي:
وكمؤشر على هذا الإعداد الأمريكي لما بعد بشار الأسد، نذكِّر بما أوردته laquo;الشرق الأوسطraquo; نقلا عن مصادر غربية أن الولايات المتحدة وتركيا توصلتا إلى laquo;خارطة طريقraquo; مشتركة للتعامل مع الأزمة السورية، وأن أنقرة سوف تلعب دورا بارزا في هذه الخارطة.
ومن يدقق في الموقف التركي من التظاهرات السورية لا يجده مختلفا عن الموقف الأمريكي، في الجوهر؛ ذلك أن رئيس الوزراء التركي، رجب طيب أردوغان، ظل يحاول إمساك العصا السورية من الوسط، إذ حرص على استبقاء علاقته بالنظام في سوريا، وأكد مرارا صداقته لبشار الأسد، وكرر تصريحاته أن الوقت مبكر للمطالبة بتنحي الرئيس، أو رفع الشرعية عن نظامه.
وفي المقابل حرصت تركيا على اكتساب ثقة الشعب السوري، والمعارضة، حين طالب أردوغان الأسد بالاستجابة لمطالب شعبه، والانخراط في عملية إصلاح جدية، كما حذر الأسد من (حماة أخرى), وفي خطوة واضحة الدلالة سمحت تركيا للمعارضة السورية بتنظيم نشطاتها في اسطنبول، وهو الأمر الذي أغضب النظام في سوريا, وجعل الصحافة الموالية له تشن حملة على القيادة التركية، وحزبها: العدالة والتنمية، ملمحة إلى تعاونها مع laquo;الإخوان المسلمينraquo; ولصفتها العثمانية، وتنكرها للمبادىء العلمانية.
ولكن حكومة أردوغان التي تتبنى سياسية laquo;تصفير الخلافاتraquo; والتي ارتقت بعلاقاتها مع سوريا في الفترة الأخيرة إلى مستوى استراتيجي نجحت في تهدئة الأزمة، من خلال الاستمرار في دعم النظام في سوريا، ولم تقطع العلاقات معه.
وهذا لم يمنعها من الاستمرار في المسار الثاني، وهو رعاية المعارضة، وعلى ما يبدو بالتنسيق، مع أمريكا؛ لحفظ دور لها، في المشهد السوري الجديد، متى ما نضجت ظروفه، أو حان استحقاقه.
وقد بينت أمريكا اقتناعها بجدارة تركيا بهذا الدور؛laquo;ونقلت مصادر عن مسؤولة كبيرة في وزارة الخارجية الأميركية قولها، خلال اجتماع خُصص للبحث في السياسة الأميركية حيال سوريا: إن الموقف الأميركي laquo;متابع بدقة وملتزم بتطور الموقف التركي بشأن سوريا، باعتبارها الدولة الأقرب، وعندها معرفة دقيقة بالوضع الداخلي السوريraquo;.
ويصبح هذا الدور التركي حيويا، في ظل وجود رأي قوي في المعارضة والشعب السوري يرفض، ويساوره القلق من laquo;التدخل الأجنبيraquo; المباشر, أو الصريح.
وتعد استضافة تركيا لمؤتمر المعارضة السورية في أنطاليا القريبة من الحدود السورية رسالة ذات أهمية قصوى، كما وصفتها مصادر غربية؛ لأنه يعني انخراط أنقرة بالكامل في رعاية الوضع السوري بالتنسيق مع الولايات المتحدة. وسيعقد في 1 يونيو (حزيران) المقبل، ويستمر 3 أيام، ويشمل كتابا وناشطين، ورجال أعمال، وممثلين عن المتظاهرين في سوريا.
ومن الناحية الموضوعية تبدو تركيا أكثر تأهيلا لمثل هذا الدور من الدول العربية؛ لأنها تمكنت من بناء نموذج في الحكم، حداثي، جامعةً بين القبول الغربي، والقبول العربي، والإقليمي؛ وهي مستقرة سياسيا، إذ هي على وشك انتخابات هادئة، وحقيقية، كما إنها مستقرة اقتصاديا، وتحقق نموا في هذا المجال.
كما أنها بحفاظها على laquo;الطابع الإسلاميraquo; أو لنقل غير المعادي للإسلام، وغير المستفز لمشاعر غالبية أهل المنطقة من المسلمين، كما كان العسكر العلمانيون الأتراك، من قبل، فإن حكومة العدالة والتنمية تظل أقدر على بناء جسور الثقة والتعاطف مع شريحة أوسع في المنطقة العربية، وقد نجحت الحكومة التركية، وعلى رأسها أردوغان، صاحب المواقف laquo;العاطفيةraquo; من تحقيق مكانة ملحوظة، في العالم العربي. كما كان عند انسحابه من مؤتمر دافوس؛ احتجاجا على ترتيب الكلمات مع الرئيس الإسرائيلي شمعون بيرز، وكما توّج تلك الأعمال الدعائية، بسفينة مرمرا التي حاولت كسر الحصار عن غزة، وقدمت تركيا في سبيل ذلك عددا من الضحايا، لا مجال إلا أن تشكر على هذه الخطوة, ولو كانت رمزية.
ويبقى على تركيا مسئولية أخلاقية، إذ لا يليق بمن يريد أن laquo;يرعىraquo; ثورة الشعب السوري، ويساعده في تحصيل حقوقه أن يظل داعما لنظام يبطش بهذا الشعب، بكل الوسائل. فلا بد أن تخرج تركيا من حالة التأرجح، والتردد بين مصالحها مع النظام، ومصالحها، مع الشعب؛ لأن الشعب هو الأبقى.
[email protected].