-1-
النظام الأردني بدأ يتحسس رأسه.
وبدأ يتحرك ببطء شديد نحو الإصلاح - وربما التغيير - قبل أن تصله نار الثورة العربية الصاعقة، وأعاصيرها.
فهل يُصلح العطار ما أفسده الدهر؟
وهل النظام الأردني قادر على الإصلاح والتغيير، أم أن ما يقوم به هنا وهناك، عبارة عن أدوية مُسكَّنة، وليست مُعالِجة لأمراض الأردن، التي لا تُعد ولا تُحصى.

-2-
تقول الأخبار، أن النظام الأردني، ينوي تعديل الدستور، وكتابه دستور جديد، يتماشي وتطلعات الأردنيين الجُدد، ومنطلقات القرن الحادي والعشرين، والألفية الثالثة، باعتبار أن الدستور الحالي في معظم مواده يُكرِّس الملكية القروسطية المطلقة، ويجعل من الملك خليفة الله، وظله على الأرض (كما كان في القرون الوسطى)، كما يجعل منه ملكاً، لا يملك فقط، ولكنه يحكم، ويتحكَّم، ويُحتكمُ إليه!
ونحن نقول :
صح النوم!
ونخشى أن يكون الوقت قد فات!

-3-
لقد سبق (في 22/2/2010) وطالبنا بضرورة تعديل الدستور الأردني، الذي كُتب عام 1952 .
ولكن لا حياة لمن تنادي، في ذلك الوقت!
فرغم بعض التعديلات التي أُدخلت على هذا الدستور، فهو ما زال بحاجة إلى تغيير كلي، لكي يتماشى وحال الأردنيين الآن.
فالدستور ليس كتاباً مقدساً، لا يُمسُّ، ولا يُجسُّ. ولكنه من صُنع البشر، الذين كانوا قبل أكثر من نصف قرن محكومين لظروف، وشروط سياسية، واجتماعية، واقتصادية معينة، تغيّرت الآن تغيراً كلياً.
فلقد تغيّر العالم كله ولم نتغيّر!
والدستور الجديد ndash; الذي نحلم به - بحاجة إلى تقليص صلاحيات الملك، وجعله ملكاً دستورياً، يملك ولا يحكم، وتوسيع صلاحيات رئيس الوزراء الذي يجب أن يكون منتخباً من الشعب مباشرة، كما يجب أن يكون مجلس الأعيان (مجلس الشيوخ) منتخباً من الشعب كذلك، بعد أن أمضى الأردن ستين عاماً في ممارسة الحياة الانتخابية منذ عام 1947.
وبهذا يتحمل الشعب أوزار رئيس وزرائه المنتخب، ولا يتحملها الملك، الذي يُعيّن الآن رئيس الوزراء ، ويقيله.
قلنا هذا الكلام منذ أكثر من عام في مطلع 2010، ولكن يبدو أن لا حياة لمن تنادي.
فـ (التطنيش) سيد الأحكام في الدكتاتوريات القروسطية!
فلماذا سيقبل الملك اليوم، ما رفضه في الأمس؟
هل هو الخوف مما يحدث في الجارة سوريا؟
أم أن الخوف من العشائر الأردنية (الداعمة الدائمة للعرش) والتي طالبت 36 شخصية تنتمي إلى كبرى العشائر، التي تمثل العمود الفقري للدولة الأردنية، أخيرًا، في بيان لها، من الملك quot;بالأمر إلى إعادة أراضي الخزينة والمراعي والميري إلى ما كانت عليه قبل تطويبها، وإعادة كل ما صار باسم أسرة آل ياسين (أسرة الملكة رانيا) إلى خزينة الشعب الأردني، لأن هذا ملك للشعبquot;.
أم أن الخوف من أن تذهب الثورة الشعبية بالعرش الأردني، الذي بناه الأجداد والآباء بالجهد الذي شاركت فيه بريطانيا وأمريكيا وإسرائيل.
وهذا بالطبع لا يعيب العرش الأردني. فمثله مثل باقي العروش العربية الأخرى التي بناها الغرب.

-4-
وإذا أردنا أن نقدم العوامل التي ستساعد الهاشميين على الاستمرار في حكم الأردن، دون أن يتعرضوا لهزات عنيفة، كما حصل في تونس، ومصر، وليبيا، واليمن، وسوريا، وكما سيحصل في السودان، والعراق، وإيران، ودول الخليج، فعليهم أن يقرأوا تاريخ المنطقة جيداً، ويستمعوا إلى صوت العقلانية السياسية الواقعية. وأن لا ينقادوا إلى نصائح المستشارين في الديوان الملكي، وأن يقوم الملك بالثورة على نظامه، وهذه معجزة المعجزات، ويحقق التالي:

1- إقرار دستور حداثي جديد للأردن، يُطرح للاستفتاء العام، ويُعيد صياغة الهوية الأردنية على ضوء المستجدات التي قامت في الستين سنة الماضية.
2- تخلّي الملك عن صلاحياته في تعيين رئيس الوزراء وإقالته، وانتخاب رئيس الوزراء بالاقتراع السري المباشر لمدة أربع سنوات، ولفترتين رئاسيتين فقط.
3- تخلّي الملك عن صلاحياته في حلَّ مجلس النواب، قبل انتهاء مدته القانونية. فلا يجوز أن يأتي الشعب بمجلس للنواب، ويقوم الملك بحله.
4- عدم تأجيل مواعيد الانتخابات التشريعية المقررة لأي سبب من الأسباب المحلية، أو الإقليمية، أو العالمية.
5- انتخاب مجلس الأعيان (الشيوخ) انتخاباً مباشراً من الشعب وليس تعييناً، كما هو الحال منذ أكثر نصف قرن.
6- توحيد الأحزاب الأردنية القائمة الآن، في حزبين كبيرين، بحيث يصبح الأول في الحكم، والثاني في المعارضة. وهذه وسيلة من الوسائل الرئيسية للتخفيف من سيطرة العشائرية والقبلية السياسية المهيمنة الآن على القرار الأردني. والحزب المعارض ليس تقليعة سياسية جديدة في الأردن. فقد تمَّ إنشاء (حزب الشعب الأردني) المعارض في 1947 بعد الاستقلال مباشرة برئاسة عبد الهادي الشمايلة. ومثَّل الوحدة الوطنية تمثيلاً صادقاً، كما قال كامل خلة في كتابه (التطور السياسي لشرق الأردن 1921-1948، ص309).
7- إقرار مجلة جديدة للأحوال المدنية، بحيث تُعطى المرأة حقوقها الاجتماعية والسياسية كاملة غير منقوصة، وعلى رأسها تولي رئاسة الوزراء، أسوة بالهند، وباكستان، واندونيسيا، وبنغلادش، وتولّي رئاسة مجلس النواب. والاستفادة من مجلة الأحوال الشخصية التونسية التي صدرت عام 1957، دون الحاجة إلى مجلات الأحوال الشخصية الغربية.
8- تحرير الإعلام تحريراً كلياً وشاملاً. وبيع حصة الحكومة في الصحف. وتخلّي الدولة كليةً عن ملكيتها وسلطتها على الإعلام. فالإعلام الأردني ما زال كإعلام الاشتراكيين العرب في الزمن الغابر مُلكاً للدولة. فلا فرق بين جريدة quot;الرأي quot; الأردنية، وجريدة quot;الأهرامquot; المصرية، وجريدة quot;البعثquot; السورية، وجريدة quot;الفجر الجديدquot; الليبية، وجريدة quot;القادسيةquot; العراقية في عهد صدام. ولا فرق بين التليفزيون الأردني والمصري والسوري والمغربي والخليجي وكل تلفزيون عربي حكومي.. الخ.
9- إغلاق quot;دائرة المطبوعات والنشرquot; الحكومية (المجزرة الثقافية الكبرى) بالشمع الأحمر. وهي التي تمنع الكتب والمطبوعات وتصادرها وتحرقها. وتقوم بدور الوصاية على الذوق والقاريء الأردني الذي لم يتعدَ مرحلة الطفولة الثقافية في رأيها، ولا يستطيع أن يميز بين الغث والسليم بدون رقابتها ووصايتها. ومن أطرف ما قامت به مؤخراً quot;دائرة المطبوعات والنشرquot;، منع رواية دان براون quot;شيفرة دفينشيquot; بناء على طلب من الكنيسة الأردنية. في حين أن الكنيسة الأمريكية - وحيث صدرت الرواية - لم تطالب بهذا المنع. ووزعت هذه الرواية في أمريكا والغرب ملايين النسخ. وكأن المسيحية في الشرق، تختلف عن المسيحية في الغرب!
10- القيام بإصلاح التعليم الديني الظلامي الذي أفسدته جماعة الإخوان المسلمين، عندما تولَّت إدارات التعليم الأردني في المراحل السابقة، وهيمنت على المناهج التعليمية في المدارس والمعاهد والجامعات.

-5-
إن معظم هذه المطالب ليست جديدة. وكثير منها يزيد عمره عن نصف قرن. فـ (الحزب العربي الأردني) المعارض برئاسة السياسي الأردني اللامع (صبحي أبو غنيمة) في الأربعينات، طالب بعد الاستقلال مباشرة في 7/6/1946 بكثير من هذه المطالب كما جاء في (جريدة quot;المقطمquot; المصرية، 27/1/1947) منها:
1- وضع دستور ديمقراطي على أساس مبدأ فصل السلطات من قبل هيئة تأسيسية.
2-إقامة حكومة ديمقراطية منتخبة من الشعب مباشرة.
3- إطلاق الحريات العامة.
إذن، ما زال الشعب الأردني ينادي بتحقيق المطالب السياسية التي نادى بها منذ أكثر من نصف قرن. وإذا كانت الظروف المحلية الأردنية والعربية والدولية لم تكن تسمح بتلبية هذه المطالب أو جزء منها في الماضي، فهل لا زالت هذه الظروف قائمة الى الآن، بحيث تحول دون تحقيق هذه المطالب؟
لا نظن ذلك.
فالدنيا قد تغيرت. وعلينا أن نتغير معها، قبل أن تقصف رياح التغيير الرقاب!

فهل يصلح العطار ما أفسده الدهر؟فهل يُصلح العطار ما أفسده الدهر؟

السلام عليكم