قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

الحقائق الساطعة التي يُنظر إليها باستحياء من قبل أصحاب الإتجاهات الباطلة لا يمكن أن تتقارب مع النداء الذي يزعم هؤلاء أنهم قد حصلوا من خلاله على السبق في الوصول إلى المنفذ الذي كانوا يجدون فيه القابل الذي يتطابق مع أفكارهم، وأنى لهم ذلك بعد أن تخلفت إرادتهم عن مجريات الظهور الذي يراد منه الكشف الذي يترتب عليه الأخذ بفلسفة الأحداث ودراستها على القدر الذي يجب أن يقوم به من له أدنى دراية في معرفة الأراء السليمة وذلك لأجل أن توضع الأمور في أماكنها المقررة دون جهد أو عناء، أما في حال مجانبة هذه الآراء فسوف تأخذ الأحداث منحىً آخر قد لا يتفق مع متطلبات البيان الذي يحتويه العصر الذي يعيشه أولئك الناس وما يطرأ عليه من تغيرات لا يمكن أن تضاف معطياتها إلى العصور الأخرى إذا ما أردنا البحث في الدور الريادي لأصحاب العقول الفاضلة التي بنيت ميولهم قبال تلك الميول الباطلة التي أشرنا إليها، ومن هنا أصبحت الصغرى في عداد الأحداث التي يطغى عليها الجحود وإن كان المؤمنون بها ينظرون إلى الحقائق بواسطة الطرق المثالية مع تجنب الاعتماد على ما يستر بينهم وبين الرؤية الحقيقية التي يتوقف ظهورها على إيجاد الوجه الصحيح الذي لا يجانب الآراء التي ليس فيها لبس أو إبهام، ولهذا ترى أن أولئك النفر من الناس قد جمعوا بين السبل المتفرقة ثم نسبوا ما ينسجم منها مع رغباتهم إلى مفهوم واحد يتمثل في الإضلال المباشر لمن له أدنى دراية بمعرفة الحقائق، وإن كانت بعض جوانبها قد عميّت عليه.

من هنا يظهر أن امتداد هذه الأفكار الباطلة إلى جميع الجهات التي تدّعي الإصلاح والاستقامة لا يتناسب مع مجريات القيم الأصيلة من جهة، ومن جهة ثانية يظهر أن هذه الأفكار قد آثرت التقارب مع الأحداث المزيّفة التي يؤمن بها هؤلاء الناس، ولهذه الأسباب مجتمعة كان وصفهم لكتاب الله تعالى بالصفات التي هي بعيدة كل البعد عن الأصول اليقينية التي نزل بها القرآن الكريم، ولذلك أرادوا أن تكون متفرقاته ملاذاً آمناً لرغباتهم الجائرة التي لا تمت للحقيقة بأي صلة، ولهذا تراهم قد جعلوا كتاب الله تعالى حسب الطريقة التي اعتمدت من قبلهم أقرب إلى الأجزاء المقتطعة التي لا تفي بالغرض المراد منه، إضافة إلى أن هذا النهج لا يمكن أن يتطابق مع واقع الحياة في شيء، ولذلك وصفهم الحق سبحانه بقوله: (كما أنزلنا على المقتسمين***الذين جعلوا القرآن عضين) الحجر 90-91.&

وبناءً على ما تقدم نصل إلى أن هناك مجموعة من التناقضات التي كانوا يريدون لها أن تنتشر بين أوساط الناس دون أن يكون لهم أي دليل فيما يذهبون إليه، ومن الأمثلة على ذلك قولهم إن الناسخ والمنسوخ في القرآن الكريم قد يقلل من شأنه ويضفي عليه الصفة البشرية، ومن هنا نود أن نبين لهؤلاء إن النسخ في كتاب الله تعالى أمر ثابت لا يقبل الزيغ وذلك لأن الحياة الدنيا بنيت على قانون النسخ، ومن هنا تجد أن القوانين الوضعية لا زالت في تغيير وتبديل أو حذف فقرات وإضافة أخرى، وهذا الأمر بعينه قد تراه في القانون الإلهي، حيث إن الشرائع ينسخ بعضها بعضاً أو أن بعض فقرات الشريعة يمكن أن تُنسخ بفقرات جديدة مع الحفاظ على أصل القانون الذي تتوافق عليه جميع الشرائع. فإن قيل: النسخ في القوانين الوضعية أمر لا جدال فيه بسبب أن الإنسان الذي يضع القانون قد تعزب عنه المصلحة التي تتعلق في الناس الذين وضع القانون لأجلهم لأنه لا يعلم الغيب ولا يعلم عن المستجدات التي ستطرأ على الأفكار التي جعلها في قانونه ولهذا تراه يبدل أو يضيف فقرات جديدة، ولكن الله تعالى عالم بجميع الأشياء ما كان منها وما يكون فكيف يجوز عليه النسخ؟ أقول: إذا أردنا الإطناب في تعريف هذا المعنى يجب أن نعلم مدى إنفكاك الجهة بين الطرفين وذلك لأن متعلق النسخ هو نفس المتعلق إلا أن الرؤية الثابتة للمصلحة التي غفل عنها المشرِع الوضعي هي التي تكمن فيها نقطة الاختلاف، ولا يخفى على ذوي البصائر من أن الأحكام التي يسنها الله تعالى تُرد نتائجها إلى المصالح والمفاسد التي ستحدث دون أن يكون علاجها متوافقاً مع فترة وضعها ولهذا أراد لها التكامل من حيث جريانها في المشرَع له دون النظر إلى عدم التبديل في القانون أو ما سيحدث في فقراته في قادم الزمان قياساً إلى ما يتعلق في المنسوخ من الأحكام من غير أن يترتب على المشرِع أي نوع من الجهل، وأنت خبير من أن الله تعالى لم يجهل شيئاً حتى يظهر له العلم به بعد حين لأن هذا من البداء الذي يستحيل على الله تعالى.

فإن قيل: وماذا عن الأمور التكوينية التي أشار إليها سبحانه بقوله: (يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب) الرعد 39. أليس فيها نوع من البداء؟ أقول: يصدق على هذا المعنى نوع آخر من البداء وهو البداء الجائز الذي يتعلق بالإنسان والنظام الكوني ويرجع الرابط بينهما إلى تصرف الإنسان جرّاء ما يُحدث في النظام الكوني من تغيرات يعود أصلها إلى تفاعله مع ما أعد الله تعالى له في هذا النظام، ولهذا جعل سبحانه نتائج أعماله تأخذ هذا الإتجاه، كما بين ذلك في قوله: (ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون) الروم 41. وكذا قوله تعالى: (ولنذيقنهم من العذاب الأدنى دون العذاب الأكبر لعلهم يرجعون) السجدة 21. والآية تثبت أصل الكتاب الذي لا تتغير أحكامه سواء التكوينية منها أو التشريعية، وهذا الأصل له مجموعة من الفروع هي التي يدخلها التبديل وتختلف آثارها قياساً إلى التصرف الإلهي والمشيئة الإلهية مع الحفاظ على عدم تبديل الأشياء الثابتة، ولهذا التبديل كثير من الفوائد التي تجعل الإنسان على حذر دائم من معصية الله تعالى، وذلك بعد أن يعلم أن القانون الجزئي قابل للتغيير والتبديل من جهة، ومن جهة أخرى يحصل على نوع من الترغيب قد يأمل بواسطته على الوصول إلى ما أعده الله تعالى له من النتائج الإيجابية، وهذا لا يتأتى إلا من خلال معرفته بالتغيرات التي تطرأ على القانون الإلهي مع الحفاظ على الأصل وعدم التبديل، كما أشرنا إلى ذلك في معرض حديثنا.

وبناءً على ما ذكرنا يتضح أن الله تعالى أثبت هذا الأمر وجعله خاضعاً للمشيئة الإلهية التي لا يدخلها الزيغ ثم أظهر متعلقاتها التي يترتب عليها إثبات السنن الإلهية وما يتفرع منها نظراً إلى ما يستحقه القابل، وقد بين ذلك في قوله: (ولكن ينزل بقدر ما يشاء إنه بعباده خبير بصير) الشورى 27. وبهذا يظهر زيف من ذهب إلى أن النسخ يتأرجح بين إثباته في اللوح المحفوظ وبين حدوثه الطارئ على علم الله سبحانه، وكان اعتقاد هذا النوع من الذين ينتابهم السقم في عقولهم أن هناك بعض التناقض في علم الله تعالى دون معرفتهم من أن لله جل شأنه حكمة أخرى تتعلق بالإنسان وما يقوم به من أعمال تُرد نتائجها إلى استقامة النظام الكوني الذي جعله سبحانه مسخراً له لما في ذلك من فوائد كثيرة كما بينا، وهذا هو البداء الجائز على الله تعالى والذي تؤمن به مجموعة من الفرق الإسلامية من بينهم الإمامية.

من هنا يتحصل أن النسخ في القرآن الكريم لا يختلف في معناه عن النسخ في الأحكام التكوينية، ولهذا جعل الله تعالى حكمهما واحداً، كما هو ظاهر في قوله تعالى: (وإذا بدلنا آية مكان آية والله أعلم بما ينزل قالوا إنما أنت مفتر بل أكثرهم لا يعلمون) النحل 101. وكذا قوله: (ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها ألم تعلم أن الله على كل شيء قدير) البقرة 106. فإن قيل: ما الفرق بين الآيات حتى تكون هناك آية خير من آية، وما هي الحكمة من تبديل الآية بمثلها؟ أقول: سبق وأن أشرت إلى أن حكم النسخ يجري في الأحكام التكوينية والتشريعية على حد سواء، فإذا ثبت هذا نعلم أن الآية تصدق على جميع الأشياء باعتبار دلالتها على وحدانية الله تعالى، وبهذا يظهر أن الأحكام التشريعية قد تم إنزالها على شكل آيات، ولذلك لا بد أن تتفاوت مراتبها نظراً إلى نوعية التشريع، وهذا ينطبق على الآيات التي جاء بها الأنبياء من حيث التفاضل في أداء مهمة كل واحدة منها، ولهذا فرق سبحانه بين آياته كما في قوله: (لقد رأى من آيات ربه الكبرى) النجم 18. وكذا قوله: (وما نريهم من آية إلا هي أكبر من أختها) الزخرف 48. وهذا التفاضل يجري في الأنبياء والرسل وجميع الناس بل وفي كل شيء، كما في قوله تعالى: (تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض) البقرة 253. وكذا قوله: (انظر كيف فضلنا بعضهم على بعض وللآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلاً) الإسراء 21. وقوله: (ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض) النساء 32. وكذلك قوله تعالى: (قال أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير) البقرة 61. أما تبديل الآية بمثلها فهذا يعني أن الآية الناسخة تحمل نفس الحكم الذي تحمله الآية المنسوخة، إلا أن جريانها في الناس يختلف باختلاف الحالات الطارئة التي تعالجها نظراً إلى الزمن الذي يتم فيه تبديل الحكم فتأمل.

هذا ما لدينا وللمفسرين في آية البحث آراء:

الرأي الأول: قال الطبرسي في مجمع البيان عند إشارته للغة الآية: النسخ في القرآن على ضروب منها أن يرفع حكم الآية وتلاوتها، كما روي عن أبي بكر أنه قال: كنا نقرأ لا ترغبوا عن آبائكم فإنه كفر بكم، ومنها أن تثبت الآية في الخط ويرفع حكمها، كقوله: (وإن فاتكم شيء من أزواجكم إلى الكفار فعاقبتم) الممتحنة 11. فهذه الآية ثابتة اللفظ في الخط مرتفعة الحكم ومنها ما يرتفع اللفظ ويثبت الحكم كآية الرجم، فقد قيل كانت منزلة فرفع لفظها وقد جاءت أخبار كثيرة بأن أشياء كانت في القرآن فنسخ تلاوتها، فمنها ما روي عن أبي موسى أنهم كانوا يقرأون لو أن لابن آدم واديين من مال لابتغى إليهما ثالثاً ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب ويتوب الله على من تاب ثم رفع، وعن أنس أن السبعين من الأنصار الذين قتلوا ببئر معونة قرأنا فيهم كتاباً: بلغوا عنا قومنا إذا لقينا ربنا فرضي عنا وأرضانا، ثم إن ذلك رفع، وقال أبو عبيدة: معنى ننسأها أي نمضيها فلا ننسخها، قال طرفة:

أمون كألواح الأران نسأتها... على لاحب كأنه ظهر برجد

أي أمضيتها، وقال غيره: نسأت الإبل في ظمئها أنسأها نسأ إذا زدتها في ظمئها يوماً أو يومين، وظمؤها منعها الماء، ونسأت الماشية تنسأ نسأ إذا سمنت وكل سمين ناسئ، قال الزجاج: وتأويله أن جلودها نسأت أي تأخرت عن عظامها، وقال غيره: إنما قيل ذلك لأنها تأخرت في المرعى حتى سمنت، ويقال للعصا المنسأة لأنها ينسأ بها أي يؤخر ما يساق عن مكانه ويدفع بها الإنسان عن نفسه الأذى، ونسأت ناقتي إذا دفعتها في السير، وأصل الباب التأخير.

الرأي الثاني: يقول ابن عاشور في التحرير والتنوير: النسخ إزالة شيء بشيء آخر قاله الراغب، فهو عبارة عن إزالة صورة أو ذات وإثبات غيرها عوضها، تقول نسخت الشمس الظل لأن شعاعها أزال الظل وخلّفه في موضعه، ونسخ الظل الشمس كذلك لأن خيال الجسم الذي حال بين الجسم المستنير وبين شعاع الشمس الذي أناره قد خلّف الشعاع في موضعه، ويقال نسخت ما في الخلية من النحل والعسل إلى خلية أخرى، وقد يطلق على الإزالة فقط دون تعويض كقولهم نسخت الريح الأثر، وعلى الإثبات لكن على إثبات خاص وهو إثبات المزيل، وأما أن يطلق على مجرد الإثبات فلا أحسبه صحيحاً في اللغة وإن أوهمه ظاهر كلام الراغب وجعل منه قولهم نسخت الكتاب إذا خططت أمثال حروفه في صحيفتك إذ وجدوه إثباتاً محضاً لكن هذا توهم لأن إطلاق النسخ على محاكاة حروف الكتاب إطلاق مجازي بالصورة أو تمثيلية بتشبيه الحالة بحالة من يزيل الحروف من الكتاب الأصلي إلى الكتاب المنتسخ ثم جاءت من ذلك النسخة، قال تعالى: (إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون) الجاثية 29. وقال: (وفي نسختها هدى ورحمة) الأعراف 154.

ويضيف ابن عاشور: وأما قولهم الولد نسخة من أبيه فمجاز على مجاز، ولا يطلق النسخ على الزوال بدون إزالة فلا تقول نسخ الليل النهار لأن الليل ليس بأمر وجودي بل هو الظلمة الأصلية الحاصلة من انعدام الجرم المنير، والمراد من النسخ هنا الإزالة وإثبات العوض بدليل قوله: (نأت بخير منها أو مثلها) وهو المعروف عند الأصوليين بأنه رفع الحكم الشرعي بخطاب فخرج التشريع المستأنف إذ ليس برفع، وخرج بقولنا الحكم الشرعي رفع البراءة الأصلية بالشرع المستأنف، إذ البراءة الأصلية ليست حكماً شرعياً بل هي البقاء على عدم التكليف الذي كان الناس عليه قبل مجيء الشرع، بحيث إن الشريعة لا تتعرض للتنصيص على إباحة المباحات إلا في مظنة اعتقاد تحريمها أو في موضع حصر المحرمات أو الواجبات، فالأول نحو قوله: (ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلاً من ربكم) البقرة 198. انتهى.

&

ومن أراد ما تبقى من البحث فليراجع تفسير التحرير والتنوير.&

&

[email protected]

&