نراهم في كثير من الأماكن وخاصة في المقاهي التي إنتشرت بشكل كبير في الآونة الأخيرة، حتى أنه لا يكاد شارع رئيسي أو طريق فرعي يخلو منها، ومرتادوها ليسوا في معظم الأحيان من الشباب المراهق بل معظمهم من المتزوجين الذين جعلوا من المقهى بيتا ثانيا لهم بجانب بيت الأسرة الذي من المفترض أن يمضوا فيه أوقات راحتهم وفراغهم بجانب زوجاتهم وأبنائهم الذين يكونون بأمس الحاجة لهذا الوقت الذي يضيعونه في تلك المقاهي!!
فالمقاهي أصبحت حاجة ضرورية بنظر مرتاديها بعد أن أصبحت مهيأة بجميع الإمكانات المريحة كالجلوس لشرب المشروبات الساخنة والباردة وحتى الوجبات الخفيفة وشرب النرجيلة التي تعتبر رمز الجلسة، وقراءة الصحف والدردشة والتعارف والتلاقي فيما بينهم، فيرتادها الناس للجلوس والراحة أو للهرب من الهموم الملقاة على عاتقهم من أعباء العمل والمنزل، وهي ملتقيات وأماكن تخدم كافة الفئات من المراهقين والمتزوجين والعجزة وقد لاقت نجاحاً من قبل زوارها، لأنها تسد أوقات فراغهم وتملأ الملل الذي يشعرون به داخل المنزل.
المشكلة ليست بالمقاهي بحد ذاتها بل بالسؤال الذي يطرح نفسه: هل أصبح إرتياد المقاهي من قبل الرجال المتزوجين يشكل خطراً كبيراً على الحياة الزوجية ويجعلها على شفير الهاوية ويضعف الروابط الأسرية؟؟
فمعظم من يرتاد المقاهي من المتزوجين يجعل حجة غيابه عن البيت جاهزة معلبة بقوله: بعد الأشهر الأولى للزواج يبدأ الروتين يتسرب إلى داخل البيت الزوجي وبعده بمدة ومع وجود الأولاد وضجيجهم ومشاكلهم وإنشغال الزوجة بتلبية طلباتهم وتربيتهم وأمور النكد والمشاكل ومتطلبات الأولاد المادية التي لا تنتهي بجانب إنشغالها الدائم بالأعمال المنزلية بجانب عملها خارج البيت إن كانت موظفة والأمور الكثيرة التي تبعدها عن إهتمامها بزوجها تدريجياً بخلاف ما كانت عليه في الأشهر الأولى للزواج حين كان الإهتمام الوحيد موجه إلى زوجها ومتطلباته. هنا يتكون شعور لدى الزوج شعور بنقص ما يريد إشباعه بأي وسيلة ومنها الإتجاه إلى المقهى.
وهذا الزوج يشعر طبعاً من منظوره الخاص أنه مهمل من قبل زوجته فلا يقدر تعبها، ولا يجد طريقا للحل سوى الهرب إلى أحضان المقاهي باحثا فيها عن بعض الصحبة والراحة والإسترخاء، التي يستعيض بها عما فقده في منزله من الحوار الذي ينشده هناك والذي إنعدم بينه وبين زوجته من كثرة المشاكل والمشاحنات العائلية!!!
فالزوج يعبر بخروجه من منزله للسهر في المقاهي عن غضب يعتمر في داخله فيترجمه بإبتعاده عن عائلته التي يجب أن تكون لها الأولوية الوحيدة لديه من إهتمام ومسؤولية، وبهذا الأمر يبتعد عن المشاكل والتعقيدات الموجودة داخل جدران بيته، فيجعل من خروجه الدائم عقابا يمارسه على زوجته فيهملها بأقصى درجة وينسى واجباته المترتبة عليه ليوصل لها رسالة مفادها أن الحوار بينهما إنقطع وأن الحياة الزوجية أصبحت عنده كغرفة ضيقة مغلفة بجدران الصمت والملل...
وهنا ليس سهلاً على الزوجة أن تتحمل مسؤولية الأسرة وحدها بما فيها من متطلبات ومشاكل وتعقيدات دون وجود الزوج بجانبها يشاركها في كل الأمور، فالحياة الزوجية لا تبنى بطرف واحد وإذا إبتعد الزوج عن مسؤولياته وأهملها فإنه بطبيعة الحال سيحدث خللا في الحياة الأسرية ويؤدي ذلك في معظم الأحيان إلى إضعاف الروابط الأسرية وفقدان الإحترام تجاه الأب الذي يكون في العائلة المترابطة والمبنية على الأسس الصحيحة المثال الأعلى لأبنائه ولبيته.
وكثيراً ما نسمع عن زوجة تشتكي من غياب زوجها عن البيت وإهماله لها وتفضيله الذهاب إلى المقهى وشرب النرجيلة ولعب الورق وطاولة النرد على المكوث إلى جانبها هي وأولاده، فالزوجة تعبر عن رأيها بظاهرة إرتياد المقاهي بأنها ظاهرة سيئة تفكك الروابط الأسرية التي يجب على الزوج أن يكون الرابط لها، وتجعل من نظرتها التقديرية التي كانت تكنها لزوجها في بداية حياتهما الزوجية نظرة دونية وتحقيرية فيفقد الإحترام بينهما معناه، ويتحول إلى كره وتمرد من قبل الزوجة، التي تكون قد أرهقها تحمل المسؤولية الزوجية وحدها.
فهي بطبيعة الحال لا تطلب من الزوج المستحيل ولا تريد أن تجعل من البيت الزوجي سجناً للزوج، بل تريد أن تشعر بالإنصاف والعدل من جانب زوجها وأن يشاركها بتحمل المسؤولية الأسرية التي يجب عليهما التعاون فيها لنجاحها، فلا تريد منه أن يجعل من خروجه عادة دائمة بتغيبه عن بيته في الأوقات التي تكون الأسرة بحاجة إليه، بل على العكس فإن رأي الزوجة الواعية في هذا الأمر يكون إيجابياً ومتفهماً حاجة خروج الزوج في بعض الأحيان، وهي لا تمانع خروج زوجها للقاء الأصدقاء والزيارات الإجتماعية التي تفرض عليه من قبل المجتمع كما هي بحاجة للقاء الأصدقاء والأهل، فإن ذلك حاجة طبيعية لديهما فإن تم الإنصاف من قبله تجاهها وتجاه أولاده فلا تكون هناك حاجة بعد ذلك للزوجة بأن تعارض خروج زوجها من بيته.
فالزواج هو حياة أسرية كاملة فيها: العشرة الحسنة والتفاهم والحوار والمشاركة الحقيقية في تربية الأولاد إلى تقاسم كل الأمور والمشاكل الأسرية وحلها بالوعي والإدراك المتبادل من قبل الزوجين، وأهم هذه الأمور الحوار الذي يجب أن لا يخلو بيت زوجي منه والذي به يتحقق نجاح العلاقات الزوجية والتعاون بكل الأمور الأسرية، بدل الهرب إلى أحضان المقاهي وعدم تحمل المسؤولية التي هي واجب على كل أب وزوج من قبل المجتمع والدين والثقافة والأخلاق والأسرة.
حنان سحمراني
[email protected]






التعليقات