1- هذا الموقف العجيب لفرنسا

توقفت الحرب بالكاد. وما إن بدأنا في لملمة جراحنا والبحث عن مفقودينا، حتى فوجئنا بفرقاطة فرنسية، تجوب بحر غزة، وتقترب من شاطئه، ليراها الغزاويون رؤية العين!
لم تأت هذه الفرقاطة الضخمة، في هذا التوقيت الحساس، لتبلسم جراحنا _ كما هو المأمول. بل جاءت لتستعرض قوتها [هيَ أيضاً] أمامنا نحن الخارجين من الزلزال. وبأي حجة؟ بحجة حماية أمن إسرائيل من أسلحتنا المهربة. فيا لساسة بلد عريق وعظيم وإنساني كفرنسا، حين يتواطئون، وتنطلي عليهم الكذبة [هل هي quot;كذبةquot; فعلاً]، فيصدقون أنّ إسرائيل المهووسة بأمنها حتى العُصاب، تحتاج لمساعدتهم هم أو مساعدة سواهم.
هل هذه هي حقاً فرنسا؟ أشك كثيراً. فنحن تعوّدنا من فرنسا، غير ما نراه الآن. طوال عقود، كانت الجمهورية الأولى تأخذ تجاهنا موقفاً متوازناً، إن لم يكن سياسياً، فعلى الأقل أخلاقياً، أما الآن .. فما الذي جرى؟
تمخر الفرقاطة بحرنا الأسير، مستعرضة قوتها، أمامنا نحن المكلومين. كأنما لتوصل لنا رسالة جلية مفادها: أن فرنسا الآن لتقف مع الجلاد، ضد الضحية! وما فرقاطتها هذه إلا مكافأة لإسرائيل على همجيتها الجديدة ذات اليورانيوم المخصب وسرطان الموت الآتي.
هكذا نفهم نحن الرسالة. ولا يهم كيف يؤولها سادة قصر الإليزيه. فهؤلاء السادة تعاموا، على ما يبدو، عن كثير من البديهيات، في غمرة انحيازهم الفاضح للمحتل، منها مثلاً: حق كل شعب يعيش تحت نير الاحتلال في المقاومة وفي الحصول على أسلحة لهذه المقاومة، مهما تواضعت هذه الأسلحة قياساً لما يمتلكه المحتل. ومنها مثلاً: أنّ جذر المشكلة ليس فينا ولن يكون، ولكنه هناك في القدس الغربية، عند ساسة إسرائيل وجنرالاتها. جذر المشكلة هو الاحتلال أولاً والاحتلال ثانياً والاحتلال أخيراً. وهو في الحصار أولاً وثانياً وأخيراً بوصفه واحداً من تجليات هذا الاحتلال.
هذا كله غاب عن بال السيدين ساركوزي وكوشنير.
فما نراه الآن من السيدين ساركوزي وكوشنير، لا يُبشّر بخير. لا يبشر أبداً.
لقد كنا ننتظر منهم [هم بالذات قبل غيرهم من دول أوربا] أن يقفوا معنا، وأن يسعوا لكسر هذا الحصار المجرم، لا أن يكافئوا المعتدي على عدوانه. لكن انتظارنا ذهب سدى مع الأسف. فواضح أنّ فرنسا ساركوزي، كأمريكا بوش وأوباما، تحاول تركعينا بعد الحرب، والعمل كوكيلة لإسرائيل. وما لم تحققه الأخيرة بالوسائل العسكرية، تحاول هيَ، وعبر المفاوضات بالوساطة، تحقيقه سياسياً.
خذوا مسألة إعادة إعمار غزة، وهي المسألة الأكثر إلحاحاً الآن. لقد حولوها إلى قضية ابتزاز سياسي من الدرجة الأولى. فهل هذا يجوز؟ أعفوا إسرائيل من تحمّل مسئولياتها، ولم يكتفوا بذلك، بل وقفوا معها في كل ما تطلبه، لكي لا يُعاد الإعمار، إلا وفق شروطها هي ومتطلباتها هي وبأموال الآخرين.
إنه انحياز سافر للجلاد، وتشجيع سافر للجلاد على إشعال فتيل الحرب مرة ثانية وثالثة، ما دام هو يُخرّب وغيره يُعمّر. هل هذه هي حقاً فرنسا؟ لو كان في الدنيا ذرة من منطق، لأجبرت فرنسا ومعها العالمُ دولةَ الاحتلال على إعادة الإعمار، ومن خزينتها هي لا من خزائن سواها. فهي المسئولة أولاً وأخيراً عن هذه الحرب، بصفتها الطرف المعتدي.
نقول ذلك ونحن نعرف، أنّ هذه الحرب لم تنته. انتهت ربما في الميدان، لتبدأ هناك في السياسة. إنهم يريدون الآن قطف الثمار، كلهم باختلاف أسمائهم: من أمريكا أوباما إلى فرنسا ساركوزي إلى ألمانيا ميركل. والمطلوب هو تركيع الشعب الفلسطيني، وإنهاء قضيته الوطنية، بحلول هزيلة لن تنجلي عن دولة مهما صغرت، بل عن كانتونات أو غيتوات. أما قطاع غزة، الذي هو بالفعل معسكر اعتقال كبير، فليس أمامه إلا الرضوخ لمطالب إسرائيل، أو تأبيد الحصار عليه، وإرجاعه إلى حالة ما قبل هذه الحرب: حالة المكان _ الجحيم.
قد لا يعرف الكثيرون من مواطني العالم أنّ هذا الحصار، هو أسوأ حتى من الحرب. ففي الحرب ثمة موت سريع وقتلى وجرحى بالألوف، عكس الحصار صاحب الموت البطيء بل قُل السم البطيء الذي يقتل مئات الألوف.
لم تأبه لا فرنسا ولا سواها، إلى أنّ حصار غزة، بهذا الشكل المحكم الخانق طوال ثلاث سنوات ، هو جريمة حرب. فهم يعرفون، لكنّ تماهيهم مع مصالح دولة الاحتلال يمنعهم من مجرد التفكير في رفع النير الثقيل عن كاهل الشعب الفلسطيني.
ومع هذا، لا بأس. نعرف أنّ أمامنا مشوار طويل من العذابات والتضحيات. ونعرف أننا انتهينا من معركة حربية لنقع في معركة سياسية ربما تكون أشد عنفاً وخبثاً من سابقتها. لكنه قدرنا وما من مفر.
لتفعل فرنسا ما تشاء. فنحن نميّز بين حكومتها وبين الشعب الفرنسي العظيم. وليفعل غيرها ما يشاء أيضاً. المهم ماذا نفعل نحن وماذا سنفعل في الأيام والشهور القادمة؟
إنّ من صمد في هذه الحرب الإبادية، لقادر على الصمود، مهما تكالبت عليه الدول. سنتألمّ لا شك، وسندفع من أعمارنا وأعمار أولادنا، وسنصبر أكثر على شحّة وغلاء وعنت كل شيء. فالمؤامرة واضحة ولا لبس فيها. أقول ذلك، وأنا أعرف مقدار الهول الذي ينتظرنا. لكنه هول أخفّ، صدقوني، من هول الاستسلام والركوع.
مَن صمتَ وتواطأ وشارك في هذه الحرب الأكثر قذارة من كل الحروب السابقة، ليس كثيراً عليه إرسال فرقاطاته إلى ساحل غزة الفقير(هذا الساحل الذي لم يتعوّد منذ مئات السنين، إلا على مراكب صياديه البسطاء وطرّادات المحتل)، مستعرضاً قوة فرنسا أمامنا نحن المدنيين العزّل. الخارجين من الأهوال، المجروحين إلى زمن طويل قادم.

رحم الله ساسة فرنسا الكبار، من ديغول حتى شيراك.

2- وهذا الموقف quot;الأعجبquot; لألمانيا!

لم أتمالك نفسي من الضحك، حين سمعت موقف ألمانيا من احتمال تقديم مجرمي الحرب الإسرائيليين للمحكمة الدولية. فألمانيا التي بطشت باليهود، لن تسمح لأحد بمحاكمة ضحاياها السابقين، حتى لو تحوّل هؤلاء إلى جلادين نازيين، أين منهم نازية هتلر ذاتها!
لم أتمالك نفسي من الضحك، مع أنه ضحك كالبكاء، إذا اقتبسنا من لغة أبو الطيب المتنبي. فهؤلاء الأوربيون، عجيبون حقاً في تعاملهم مع القضايا والأشياء. مرات تجدهم في ذروة العقل والمنطق والإنسانية، وطوراً تجدهم في ذروة الجنون والعبث والبهيمية. لا توجد لديهم مبادئ في المطلق، وإنما تصرفات حسب الظرف وquot;الحالةquot;. فإذا كانت الحالة لا تخصّهم، كحالة الفلسطينيين الواقعين تحت الاحتلال، فلا يأبهون بها وبآلامها. وإذا كانت الحالة تخصهم، كحالة اليهود ودولتهم، فهم حينها، يتبارون في الدفاع عنها، وكأنما يدافعون عن أنفسهم هم. مع أنّ الحقائق، حقائق هذه الحرب واضحة وساطعة، ومنقولة إلى قارات العالم الخمس، على مدار الساعة.
إسرائيل ارتكبت محرقة في قطاع غزة. إسرائيل حاربت مدنيين في الأساس. إسرائيل استخدمت 12 سلاحاً جديداً محرماً دولياً، لم يُعرف منها لحد هذه اللحظة غير سلاحين اثنين فقط هما: قنابل الفسفور الأبيض وقنابل الدايم.
كل هذا لا يكفي عند المستشارة ميركل لتقديم الجناة الإسرائيليين للمحكمة الدولية. فعقدة الذنب التاريخية تجاه اليهود، تمنعها وستمنع مواطنيها، إلى أجل طويل قادم، من مجرد التفكير في الوقوف أقلّهُ على جنب.
هكذا يأتينا هذا الموقف quot;الأعجبquot; من ألمانيا، بعد أيام من ذلك الموقف quot;العجيبquot; من فرنسا!
هكذا ليُذكّرنا، في غمرة نسياننا لأنفسنا، وانبهارنا بثقافاتهم العظيمة، أن ننتبه. فليس كل ما يقال يُصدّق. وليس كل ما يُقرأ يُؤخذ. فهؤلاء قوم فيهم شُبهة عنصرية، ولديهم تمييزات بين البشر. وقبل ذلك وبعده، مصالحهم فوق مبادئهم، ومن لا يعجبه من مثقفينا فليشرب البحر!
لن نُذكّر المستشارة أنغيلا، ههنا، بما تواضع عليه البشر المتحضرون من قارتها ذاتها، حين استنّوا قوانين ومعاهدات وأعراف تُحرّم وتُجرّم استخدام الأسلحة البيولوجية والكيماوية المحظورة دولياً، مثل اتفاقية جنيف الرابعة وإعلان لاهاي وآخر ما اتُفق عليه بهذا الخصوص قبل 12 سنة، حين شهد العالم كله ميلاد اتفاقية عن حظر الأسلحة الكيماوية ومنع تطويرها واستخدامها وتخزينها وتداولها. لن نذكّر السيدة الجليلة فهي تعرف تفاصيل التفاصيل، أكثر مما يعرف الضحايا جميعاً. لكننا فقط نودّ أن نسألها: لو تعرضت قرية ألمانية نائية بمئات الساكنين فقط، لما تعرّضنا له هنا في القطاع، فماذا سيكون رد فعلك؟ وهل حينها ستقفين بصفاقة تُحسدين عليها ضد تقديم المجرمين والوحوش للمحاكم الدولية؟
أم أنّ دمنا نحن الفلسطينيين، من نوع لا ينتمي لدم البشر؟
ثم إلى متى هذا الانحياز اللا أخلاقي لدولة مجرمة بكل المقاييس والمعايير الدولية؟ وإلى متى ستستمرون في التغطية عليها، حتى لو كانت الكارثة بحجم ما جرى أخيراً في غزة؟
لدينا يقين بأنّ هذه السيدة تعرف بالضبط ما جرى، ولكنها تصم أذنيها وتغلق عينيها. ومع ذلك لا بأس مرة أخرى من تذكير القراء العرب وغيرهم بما جرى، وهذه المرة سأدع أحد الخبراء الدوليين في الحروب الكيماوية يتحدث، نقلاً عن جريدة الحياة، يقول الدكتور محمد الزرقا ما يلي: quot; laquo;حوّلت إسرائيل القطاع إلى حقل تجارب لأسلحة كيماوية لم يُعرف مداها الكامل بعد... لقد أعلنوا أنهم كانوا يريدون ضرب حركة laquo;حماسraquo;، لكن الهدف الحقيقي غير المعلن هو التجارب التي أجريت على البشر باستخدام الأسلحة الكيماوية والأسلحة الممنوعة والمحرمة. وهم الآن يقيسون نتائج أفعالهم، وملاحظة مدى الأثر الناجم عن القصف بهذه النوعية من الأسلحة... إننا أمام كارثة صحية وبيئية بكل معاني الكلمةraquo;. ويضيف بخصوص مسألة اليورانيوم المستنفد Depleted Uranium ، فيقول: laquo;أن أميركا استخدمته في العراق. ويجرى تطوير هذا السلاح منذ فترة طويلة في إسرائيل ... وهو مدمر للصحة ويسبّب السرطان، كما تمتد آثاره لتدمّر التربة والبيئةraquo;. كما تحدث أيضاً عن laquo;سلاح كيماوي خطير استخدمته إسرائيل في عدوانها على غزة ويسمى laquo;دايمraquo; DIME، وقوامه قنابل تحتوي خليطاً كثيفاً من المعادن الثقيلة مثل الرصاص والتنغستين والنيكل، وكذلك الحديد والكوبالت. وتُعطي انفجاراً شديداً تصاحبه مقدرة على الاختراق إلى أعماق كبيرة جداً. واستخدمته إسرائيل في مهاجمة أهداف محددة. وتأثير هذه القنابل خطير جداً على الإنسان والبيئة. إذ تدمر الصحة وتصيب الإنسان بالسرطان على المدى الطويل، كما تترك آثاراً بيئية خطيرة... إن إعمار غزة لا بد من أن يأخذ في الحسبان الأوضاع الصحية لأهالي غزة نتيجة استخدام هذه الأسلــحة، وكذلك آثارها القوية على الحوامل والأطفال، إضافة إلى التأثيرات النفسية والعصبية... حتى هؤلاء الذين لم تقتلهم (إسرائيل) تريدهم أن يستمروا في الحياة مشوهين ومرضى نفسياً وجسدياًraquo;.
أعتذر عن هذا الاستشهاد الطويل، ولكن دافعي لإيراده، هو دقة تشخيص هذا الرجل. فمن خلال متابعاتي اليومية في مستشفيات القطاع، ورؤيتي لمئات الحالات والإصابات، فإنني لا أقرأ كلماته هذه مجرد قراءة، بل أحسّها وأشم رائحتها وأرى ألوانها. إنها تشخيص دقيق لما جرى أمام عيوننا المذهولة وعقولنا المصدومة وأرواحنا التي تعرّضت إلى quot;رضّةquot; أين منها رضّة النّاجين من الهولوكوست.

يا سيدة أنغيلا ميركل: لم تسقط حكومتك سياسياً فقط، بل سقطت أخلاقياً، وهنا مربط الفرس. كنا ننتظر منكِ ومن أمثالك، من قادة العالم المتحضر الكبار، موقفاً على النقيض من موقفكم هذا. مع أننا نسينا أنكم سياسيون. وما يحكم السياسي غير ما يحكم المثقف. فالسياسي لا يأخذ بالحسبان غير مصالحه، حتى لو كانت ضد المبادئ والأخلاق والقيم جميعها. وهذا فعلاً هو موقفك.

يا سيدة أنغيلا ميركل: الساسة ذوو الأيدي القذرة والمواقف القذرة، لن يفلتوا من عقاب التاريخ _ أو على الأقل مِن امتعاضنا واشمئزازنا. وموقف بلدك اليوم ضدنا ومع تذبيحنا كيماوياً، هو موقف لن ينساه لكم كل مواطن عالمي شريف، ناهيك عن المثقفين.
لن نطالبك بالخروج من عقدة الذنب تجاه اليهود. فماضي بلادك فعلاً يستحق أن يجعلكم محكومين بهذه العقدة. لكننا نطالبك برؤية الآخرين أيضاً. رؤية الفلسطينيين وهم يتحولون إلى ضحايا لضحاياكم. رؤية ضحاياكم السابقين وهم يشوون أهل غزة العزل ب 12 سلاحاً كيمياوياً محرماً، في محرقة جديدة، ذات منشأ إسرائيلي، أين منها تلك الهلوكوست القديمة في أوشفتس وبوخنفالد.