بتعيين صحراويين في مناصب دبلوماسية وإدارية هامة، تكون السلطات المغربية تقدمت خطوات على درب تعزيز الثقة بين طرفي النزاع التي بعثرتها أحداث العيون الأخيرة.ويسعى العاهل المغربيّ عبر هذا الإجراء غير المسبوق إلى إيصال رسالة إلى العالم مفادها أنّ مشروع الحكم الذاتي خيار لا رجعة فيه.


الدار البيضاء: يوم الجمعة 26 نوفمبر/ تشرين الثاني خلق العاهل المغربي الملك محمد السادس حدثا غير مسبوق، بتعيينه لسفير صحراوي في مدريد وتعيين آخر في منصب محافظ جهة العيون بوجدور الساقية الحمراء. سياسة جديدة لإدماج الصحراويين على بعد أيام من أحداث العيون في الثامن من نوفمبر تشرين الثاني.

ظلت مطالب سكان الصحراء الغربية في الجنوب المغربي مركزة على ضرورة إدماج أبناء المدينة ومنحهم مناصب سامية على هرم الدولة المغربية.

وكان عدد من نخبة المنطقة، كالقيادي السابق في البوليساريو البشير الدخيل، ينادي بضرورة إدماج حقيقي لأبناء الصحراء.

رب ضارة نافعة، فأحداث العيون الدامية التي اندلعت يوم 8 نوفمبر/ تشرين الثاني بعد تفكيك مخيم quot;كديم إزيكquot; بضاحية المدينة، أظهر الحاجة إلى ضرورة تغيير الدولة المركزية لمقاربتها.
وكان الجميع يتوقع أن تحدث أحداث العيون هزة كبيرة في صفوف مسؤولي الدولة بجهة العيون بوجدور الساقية الحمراء.

وبعد 18 يوما جاء إعلان الملك بتعيينات في صفوف محافظي المدن والجهات بالإضافة إلى تعيين قيادي كبير في البوليساريو سفيرا للمغرب في مدريد.

قبيلة الركيبات تقود الجهة

أكثر التعيينات جرأة ضمن العدد الكبير من المحافظين كان تعيين خليل الدخيل، محافظا على جهة العيون بوجدور الساقية الحمراء عاملا على العيون.

وهذه أول مرة يتم فيها تعيين صحراوي ابن مدينة العيون في هذا المنصب.

الدخيل وهو موظف سام في وزارة الداخلية ولد بمدينة العيون منتصف يونيو حزيران 1945، حصل على دبلوم المدرسة العليا للتجارة، سبق لهذه الشخصية التي تحظى باحترام كبير من قبل الصحراويين، أن شغل مناصب سامية، فما بين 1975 و1979، وقاد الدبلوماسية المغربية في كوبا.

كان الهدف من ذلك تعيين صحراوي من مدينة العيون في هافانا الكوبية المعروفة بولائها الكبير ودعمها اللا مشروط لجبهة البوليساريو المطالبة بانفصال المحافظات الصحراوية عن المغرب، بعد ذلك سيعين سفيرا في دولة أخرى تساند البوليساريو، يتعلق الأمر ببلغراد، استمر في منصبه هذا إلى سنة 1982، عاد إلى وزارة الداخلية بعدها ليبدأ مسارا جديدا، إذ عُيّن محافظا منتصف أغسطس 1983 بمحافظة السمارة، إحدى مدن الصحراء الغربية، واختلف تقييم الصحراويين لفترته، فالبعض يصفه بالصحراوي الذي ساهم في وضع البنيات التحية للمدينة، بينما يرى آخرون أنه استغل منصبه هذا ليدير أعماله الخاصة.

وكان للتعيين حينها دلالة كبيرة، ففي زمن الملك الراحل الحسن الثاني، كانت الدولة تتفادى تعيين صحراويين في مدن صحراوية، وبعد عشر سنوات تقريبا سينتقل محافظا على شفشاون في الشمال المغربي، وسنة 1998 عين محافظا بمحافظة بولمان.

ونهاية 1999 عيّنه العاهل المغربي الملك محمد السادس عاملا ملحقا بالمصالح المركزية لوزارة الداخلية.

هذا الصحراوي المعروف بولائه للمملكة المغربية، كان سيكون ضمن الحكومة التي تطمح إلى تعيينها إسبانيا قبل عودة الصحراء الغربية إلى المغرب سنة 1974، وكان أحد كبار الشخصيات في الصحراء، لعب دورا كبيرا في عودة مجموعة من الشخصيات الصحراوية إلى المغرب، شاءت الصدف أن يكون ضمن هؤلاء خليهن ولد الرشيد، رئيس المجلس الملكي الإستشاري لشؤون الصحراء، فقد أقنعه أواسط السبعينات بالعودة إلى المغرب بعد رحلة معه إلى بيروت سنة 1975، كان خليل الدخيل، رفقة عبد الرحمان الهيبة، القنصل المغربي بلاس بالماس حاليا، ضمن اللجنة التنفيذية لquot;البونسquot;، وهو حزب أنشأه صحراويون بدعم إسباني لحكم الصحراء الغربية.

معروف على هذا الركيبي (انتماؤه إلى أولاد الشيخ بقبيلة الركيبات) وطنيته، فقد درس في المدرسة المحمدية بالدار البيضاء في التعليم الإبتدائي، عاد إلى العيون بعد أن توقف عن الدراسة، وعمل مع الإسبانيين كمترجم، وهو ابن أحد الشخصيات المعروفة في جيش التحرير (قاوم الإستعمار الإسباني).

وقد اعتبر تعيينه محافظا على السمارة ذلك نصرا كبيرا للحسن الثاني في عز الحرب بين المغرب وجبهة البوليساريو.

على طاولة هذه الشخصية اليوم ملف عجز عن حله المحافظ السابق محمد كلموس، يتعلق الأمر بالحد من نفوذ حمدي ولد الرشيد، رئيس المجلس البلدي لمدينة العيون والأخ الأصغر لخليهن ولد الرشيد، رغم أن العلاقة بين الرجلين (المحافظ الجديد وخليهن) ليست على ما يرام، فانتماؤهما إلى القبيلة نفسها، قبيلة اركبيات، سيساهم في تجاوز مشاكل كثيرة quot;أنا متفائل كثيرا بالتعيين لأول مرة يعين شخص مناسب في هذا المنصبquot; يقول أحد الأعيان الذي فضل عدم الكشف عن اسمه.

قبائل غير راضية

خلال تواجدها أيام أحداث العيون الدامية، تحدث عدد كبير من السكان لـquot;إيلافquot; عن ضرورة تعيين شخصية صحراوية هادئة ونظيفة وغير متورطة في فضائح في منصب محافظ العيون بوجدور الساقية الحمراء.

اليوم يبدو أن تعيين خليل الدخيل quot;كان قرارا صائباquot; يقول أحد كبار الشخصيات الصحراوية، لأنه quot;يعمل بجدquot; وquot;رجل يعرف العقلية المغربية وابن الصحراء الخبير بالتوازنات القبليةquot;.

هذا التعيين رسالة سياسية من المغرب إلى العالم، مفادها أن الرباط ذاهبة في تطبيق مشروع الحكم الذاتي التي اقترحته لحل مشكلة الصحراء، كما أنها رسالة إلى المحتجين الذين أقاموا مخيما ضم أكثر من 20 ألف شخص، مفادها أن إدارة المحافظات الصحراوية سيكون شأنا داخليا، طبعا تحت مراقبة مؤسسات الدولة المركزية في انتظار تغيير في الدستور المغربي وبدء التطبيق الفعلي لمشروع الحكم الذاتي.

لكن هذا التعيين لن يخلق الإجماع، فقبيلة زركيين، إحدى القبائل الكبيرة في الصحراء، لم يرضها التهميش الذي عانته، إذ لم يعين منها شخصية في منصب مهم، رغم أن التعيين الأخير نقل خالد الزروالي (احد أبناء القبيلة) من عامل إلى والي (محافظ) مكلف بالهجرة في وزارة الداخلية.

واعتبر صحراوي من القبيلة أن quot;التعيينات الأخيرة همشت زركيين عقابا لهم على جرأتهم بإرسال رسالة إلى الملك قبل أشهر يطالبون بها بالإنصاف، وعقابا لهم على وجود عدد من أبناء القبيلة على رأس تنسيقية مخيم quot;كديم إزيكquot; الذي فككته القوات العموميةquot;، وأوضح أنه بهذه الطريقة quot;لا تحل الدولة مشكلة القبلية بل تساهم في تأجيجهاquot;.

ويبدو أن شخصية المحافظ الجديد قادرة على امتصاص غضب قبائل أخرى تعتبر نفسها مهمشة في التعيينات الأخيرة.
شخصية صحراوية أخرى ستقود الدبلوماسية المغربية في مدريد، في سابقة هي الأولى، يتعلق الأمر بأحمدو ولد سويلم، إذ عينه العاهل المغربي الجمعة 26 تشرين الثاني/ نوفمبر، سفيرا للمملكة المغربية في مدريد.

واختيار المستشار السابق الرئيس محمد عبد العزيز، رئيس الجمهورية الصحراوية (المطالبة بانفصال الصحراء) من جانب واحد، في هذا المنصب له أكثر من دلالة، فقد ترددت الحكومة الإسبانية كثيرا قبل قبول هذا السفير، فهي تعرف أن المغرب أرسل شخصية قوية معروفة بجرأتها وحيادها، اختارت العودة إلى المغرب.

ومعروف أن أكبر دعم للبوليساريو وللصحراويين الإنفصاليين هو المجتمع الإسباني لأسباب تاريخية (المستعمر السابق للمنطقة)، كما أن أقوى نشاطات الإنفصاليين توجد بإسبانيا، وقد سعى المغرب إلى تعيين شخصية قادرة على مواجهة المد الكبير للمتعاطفين مع البوليساريو. وجاء التعيين بعد سنة على انتهاء ولاية السفير السابق للمغرب في مدريد عمر عزيمان.

لهذا الدبلوماسي المنتمي إلى قبيلة أولاد دليم، خبرة بالعمل الدبلوماسي، فقد سبق أن شغل منصب سفير البوليساريو لدى إيران ثم أنغولا، كما كان مستشارا لـ'الجمهورية الصحراوية'، لكنه قرر الإنشقاق عن البوليساريو سنة 2009 بسبب اختلافات عميقة في تسيير نزاع الصحراء، وأعلن انضمامه للمغرب وتأييد الحكم الذاتي الذي طرحه الملك محمد السادس.

وكان صحافيون إسبان منهم إكناسيو سيمبريرو، الخبير في القضايا المغربية في جريدة quot;إلبايسquot; أعلن أن تعيين ولد سويلم غير مناسب على اعتبار أنه لم يمض في المغرب أقل من سنة واحدة، وأنه يجهل القضايا المغربية وأنه سيركز اهتمامه على مواجهة الإنفصاليين، لكن وزارة الخارجية المغربية، كما علمت quot;إيلافquot;، لها تصور آخر، إذ سيتم تعيين فريق قوي مع السفير الجديد مهمتها الإشراف على الملفات الأخرى وترك السفير يركز اهتمامه على قضية الصحراء التي تعتبرها المملكة المغربية quot;القضية الوطنية الأولىquot;.