nbsp;نهج واحد ومصير واحد

في نوفمبر 1987 أطاح زين العابدين، بطريقة ثعلبية ماكرة، بسلطة (الأب المؤسس) الحبيب بورقيبة. وفي 16 تموز 1979 أقصى صدام، بنفس الطريقة، (الأب القائد) أحمد حسن البكر من الرئاسة. والاثنان وعدا شعبيهما بتحقيق الحرية والعدالة والالتزام بمبدأ القيادة الجماعية. ما الذي حدث لاحقا في الحالتين ؟ الاثنان (وهذا درس بليغ، وهذه عبرة لمن يعتبر) خانا تعهداتهما، ولم يحققا ما وعدا به. صدام تم أخراجه من مخبأه وحيدا فريدا، بعد أن كان يحصل على نسبة 99 بالمائة في (الانتخابات) العامة التي يجريها، وزين العابدين فر بجلده بعد أن كان يحصل على نفس النسبة الذهبية في (الانتخابات) التي كان ينظمها. صدام اعتمد على جيش شعبي( مليشيا)، واعتمد على جهاز حزبي وصل عدد أعضائه لأكثر من مليون، وأجهزة مخابرات كانت ترصد حتى حركة الرضيع. واعتمد زين العابدين على وزارة داخلية تعداد أفرادها يصل إلى 100000 منتسب، وجهاز حزبي بلغ عدده 2.8 مليون، وأجهزة مخابرات شرسة. ومثلما حظي صدام بدعم غير محدود من الغرب (والشرق، أيضا) والنظام العربي الرسمي، تحت ذريعة مساعدته للوقوف ضد المد الإسلامي الذي مثلته وقتذاك الثورة الإيرانية، فأن بن علي، هو الآخر، حصل وظل يحصل حتى قبل لحظات من فراره، على دعم غير محدود من الغرب، خصوصا أوربا، بحجة وقوفه ضد التطرف الإسلامي. والذريعة المشتركة التي كان صدام وزين العابدين يتذرعان بها (كما بقية الحكام العرب) لتبرير حكمهما الأبوي/ التسلطي هي، أن شعبيهما ليسا ناضجين بما فيه الكفاية لتقبل الديمقراطية، كنظام سياسي واجتماعي. فهل، حقا (وهذا هو غرضنا من كتابة هذا المقال) أن المجتمعين العراقي والتونسي غير مؤهلين للديمقراطية، وهل أن ما يحدث من محاولات لفرض الرأي الواحد والالتفاف على الانجازات الديمقراطية في العراق هذه الأيام، وبعد مرور سبع سنوات على القضاء على الديكتاتورية، هو عامل إحباط للتونسيين، ومؤشر على أن المجتمع العراقي، حقا، يرفض الديمقراطية، وأن الديمقراطية لا تصلح للمجتمع العراقي، والعربي عموما؟

nbsp;

سياسة الأرض المحروقة

عندما أسقط الأميركيون صدام في 09/4/2003 كانت الساحة العراقية خالية، عمليا، من أي قوة سياسية كبرى أو صغرى نتيجة لسياسة الأرض المحروقة التي طبقها صدام داخليا. المعارضة العراقية كانت، كلها بقياداتها وكوادرها وقواعدها( وهذا أمر يحدث لأول مرة في تاريخ الحديث) تتواجد خارج العراق. وبسبب وجود ظروف تاريخية مذهبية قديمة جدا تخص العراق وحده، في مقدمتها التهميش الذي عانى منه العراقيون الشيعة، وبسبب ظروف أخرى معاصرة تمثلت في صعود الإسلام السياسي في المنطقة، فأن الصوت المسموع في صفوف المعارضة العراقية، عشية سقوط نظام صدام، كان صوت الحركات والأحزاب الدينية الشيعية التي كانت هيئات أركانها تتواجد خارج البلاد، شأنها شأن جميع حركات المعارضة العراقية. عندما عادت هذه الحركات بعد سقوط النظام البعثي كانت مكسورة الأجنحة، بدون غطاء جماهيري، وبالتالي دون قواعد حزبية لها في الداخل. مع ذلك، فأن تلك الأحزاب عادت للعراق وكل حزب منها يحمل بيديه سلاحين ماضيين، الأول وفره الأميركيون، والسلاح الآخر وفره واقع العراق. فمن الجهة الأولى جهد الأميركيون، خلال فترة تحضيرهم لإسقاط صدام، للاتصال بالمعارضة العراقية في الخارج والتنسيق معها وعقد المؤتمرات لها على أسس دينية مذهبية، وقومية وأثنية: عرب، أكراد، شيعة، سنة، ألخ. ومن جهة ثانية ما كانت هذه الحركات السياسية الشيعية بحاجة، عندما عادت للبلاد، إلى قواعد حزبية منظمة خاصة بها. فقد كان أمامها داخل العراق بحر بشري شيعي متلاطم يردد مطلبا تاريخيا (وجوديا) تأخر تحقيقه طويلا، وحانت الآن ساعة تحقيقه : (ماكو ولي إلا علي وانريد قائد جعفري). لكن هذا الشعار ليس دينيا، وليس هدفه إقامة دولة إسلامية، إنما مطلبا ديمقراطيا في جوهره، يهدف إلى رفض التهميش، وإقامة نظام ديمقراطي يحقق العدالة ويوفر تكافئ الفرص للجميع. الأحزاب الإسلامية فسرت هذا المطلب كتأييد غير مشروط لها ولآيدولوجيتها. وكان يكفي لتلك الحركات الدينية الشيعية السياسية أن تردد نفس الشعار فتحصل على ما تريد من أنصار ومؤيدين، بدون أي حاجة لطرح برنامج تفصيلي وإستراتيجية تفصيلية مستقبلية، خصوصا بعد أن دخل تنظيم القاعدة، وفي وقت مبكر جدا، الأراضي العراقية، وزج بكل ثقله لإشعال حرب طائفية كان هدفها تهويل الأمور و إدخال الرعب لقلوب العراقيين السنة وتخويفهم أن الذبح ينتظرهم على أيدي الشيعة، وتخويف الشيعة بأن مطلبهم التاريخي في رفض التهميش لن يتحقق. وهكذا، ومنذ الأشهر الأولى التي أعقبت سقوط الديكتاتورية الصدامية اتخذت الأمور منحى مغايرا لما كانت تريده وتتمناه وتتوقعه وتستعد له غالبية الشعب العراق، بكل طوائفه ومذاهبه وقومياته وفي جميع مناطقه، بدون استثناء: قيام نظام ديمقراطي حقيقي. لكن، بدلا من تكريس الديمقراطية التي ولدت على أنقاض الديكتاتورية، وتعزيز هذه الديمقراطية الوليدة، ورفدها وترسيخها، بأسلوب سلمي، تحولت الأمور إلى صراع دموي، وظهرت غيتوات، أو خنادق أجبر العراقيون أجبارا أن يتخندقوا داخلها، لا استنادا على الموقف السياسي/ الطبقي/ الاجتماعي/ الفكري/ الثقافي للعراقيين، وإنما استنادا على هوية واحدة فرعية هي، الهوية المذهبية. وهذا الواقع المريض المحتقن كان بمثابة هدية من السماء لجميع القوى المناهضة لقيام نظام ديمقراطي سياسي/ اجتماعي حقيقي وشامل.

nbsp;

انجازات ديمقراطية كبرى لكنها سلقت بعجالة

في تلك الأجواء المحتقنة أجريت الانتخابات الأولى، وفي تلك الأجواء الاستثنائية تمت كتابة الدستور والاستفتاء عليه، وفي تلك الظروف غير الطبيعية تم تشكيل أجهزة الدولة المدنية والعسكرية، كيفما أتفق. بالطبع، الانتخابات (وكانت ديمقراطية وحرة، رغم كل ما شابها، ونعرف أن ما شابها ليس قليلا) قضت تماما، ومباشرة بعد إجراءها، على أي تهميش كان موجودا، إذ منحت الانتخابات كل ذي حق حقه وحصلت كل الأطراف على ما تستحقه من أصوات. في تلك اللحظة انتهت تماما (مظلومية) العراقيين الشيعة، حتى بالمعنى المذهبي المحدد الذي تفهمه أحزاب الإسلام الشيعي السياسي، وبعض القوى الدينية. كذلك كتابة دستور دائم للبلاد، كانت انجازا مهما. لكن الانتخابات وكتابة الدستور كانت ثمار فجة. لماذا ؟ لأن الظروف التي أنجزت فيها كانت ظروفا فجة ومريضة. فالانتخابات تم سلقها على عجل، وأنشأت من أجلها تحالفات تم سلقها، هي أيضا، على عجل، بدليل انفراطها لاحقا، وأهم من ذلك أنها كانت عرجاء لغياب العراقيين السنة عن المشاركة فيها. والدستور رغم أنه احتوى على نصوص واضحة تضمن وتؤكد على الهوية الديمقراطية للنظام الجديد، والتداول السلمي للسلطة، وعلى ضمان الحريات العامة والخاصة، بما في ذلك حرية الرأي والمعتقد والسلوك، وتحريم أي تشريعات وأي قوانين تخالف (المبادئ الديمقراطية) ، إلا أن البعض من تلك القوى نفسها التي كتبت الدستور، أو رضت عنه، ما كانت تؤمن حتى بتلك النصوص التي كتبتها هي نفسها. هذه القوى تحاول الآن، بعد مرور سبع سنوات، الالتفاف على هذه النصوص الدستورية نفسها، أو تفسرها حسب هواها، أو تستعين بنصوص قانونية شرعها النظام الديكتاتوري السابق، خصوصا فيما يتعلق بمفهوم الحريات العامة والخاصة. القوى هذه تريد أن تتعامل مع الديمقراطية كوسيلة، ليس لتحقيق العدالة السياسية والاجتماعية وإعطاء كل ذي حق حقه، وإنما كوسيلة تحقق هدفين، الأول وصول هذه الأحزاب للحكم والبقاء على سدته ما استطاعت أن تبقى، والثاني تحويل الديمقراطية من نظام سياسي اجتماعي يكفل للمواطنين جميع الخيارات السياسية الاجتماعية، وفقا للدستور، إلى (ديمقراطية) الرأي الواحد، وعنوانها (تريد أرنب خذ أرنب، تريد غزال خذ أرنب). نسأل الآن: هذا السيناريو، الذي تحقق بعد القضاء على الديكتاتورية الصدامية، هل سيتكرر في تونس بعد تحقيق المعجزة التي أطاحت بحكم زين العابدين بن علي؟

nbsp;

الديمقراطية صراع لا يتوقف

nbsp;المجتمعان العراقي والتونسي بينهما اختلافات جوهرية، وجودية وسوسيولوجية. المجتمع التونسي، عكس العراقي، موحد دينيا ومذهبيا وقوميا. وهذا يعني عدم وجود ثارات واستحقاقات ومطالب تاريخية جماعية، وبالتالي، عدم وجود محاصصة تعيق حسم الأمور. أما على المستوى السياسي فأن المجتمع التونسي لم يعرف، على امتداد فترة ما بعد الاستقلال، الاضطرابات التي عاشها المجتمع العراقي، ولا الانقلابات العسكرية المتتالية، ولا العنف السياسي المفرط. فبينما توالى على حكم العراق حكام عديدون منذ قيام الدولة العراقية الحديثة وصلوا كلهم بانقلابات عسكرية، فأن تونس لم تعرف في تاريخها الحديث غير رئيسين فقط. وحتى بن علي فأنه يعتبر حملا وديعا إذا قارناه بصدام حسين. وعلى المستوى السوسيولوجي/ الثقافي فأن المجتمع العراقي، خصوصا خلال السنوات الأخيرة من حكم صدام، شهد انهيارات كارثية كبرى، إذ تراجع كثيرا دور الطبقة الوسطى، أو بالأحرى تلاشى نهائيا، بسبب حروب صدام والحصار الدولي، وانحسر دور النساء في الحياة العامة، وتدهور مستوى التعليم، وأغلقت جميع منافذ التواصل بالعالم الخارجي، وانتهى، عمليا، النشاط النقابي، وتحولت الدولة إلى كائن أخطبوطي وأصبح من الصعب التفريق بينها وبين رئيسها، وساد الفساد الإداري، وعمت اللامبالاة، وتفشت الخرافة، وغابت روح المبادرة، وظهرت، أو تعززت نزعات انكفائية، نحو الذات، العشيرة، الطائفة ... الخ. مع ذلك كله، فأن الديمقراطية الوليدة شقت طريقها، كنظام سياسي، وكممارسات يومية، منذ اللحظات الأولى لسقوط الديكتاتورية، رغم وجود هذا الواقع المحبط. وبدون شك، مازال الصراع حول الديمقراطية حاميا، وسيشتد أكثر.

nbsp;

nbsp;يجب تغيير القناني والنبيذ أيضا

في تونس ولدت الديمقراطية في بيئة ممهدة، توا، لاختلاف الأوضاع. فالصراع في تونس لا يدور، كما كان الأمر في العراق، حول شرعية الدولة نفسها، وإنما حول شرعية الحكومة وأدائها، ولا يدور الصراع حول شرعية المؤسسة العسكرية، إنما حول أداء بعض أجهزتها، كجهازي الشرطة والمخابرات، وحزب التجمع الدستوري. وبفضل عوامل جغرافية وحضارية (قرب تونس من أوربا، الانفتاح على العالم عن طريق النشاط السياحي الحر داخل البلاد والسفر إلى الخارج، وجود جالية تونسية ضخمة العدد في أوربا، إتقان لغات أجنبية عديدة، واقع جيوبوليتيكي أقل تعقيدا من الواقع العراقي)، وكذلك بفضل السياسة السمحة والمتسامحة التي أرسى أسسها الرئيس الأسبق بورقيبة، نشأت طبقة وسطى تونسية مميزة، وانتليجيسيا كثيرة العدد وناشطة، واحتلت النساء مواقع متقدمة. وهذه كلها عوامل تساعد على بناء نظام ديمقراطي. لكن علينا أن لا ننسى أن تونس هي، أولا وأخيرا، جزء من العالم العربي الإسلامي، تتأثر بما يحدث فيه ويتأثر بما يحدث فيها. صحيح، أن المجتمع التونسي لم يشهد حتى الآن نشاطا للحركات الراديكالية الإسلاموية التي ترفض الديمقراطية جملة وتفصيلا، لكن تونس ليست بمنأى عن هذه الحركات، وقد قرأنا ما توعد به قادة تنظيم القاعدة في المغرب العربي مباشرة بعد هروب بن علي. وهذه التهديدات لها مغزاها، ربما ليس الآن، وإنما في الأيام القادمة، خصوصا أن هذا التنظيم يملك المال والسلاح والرجال المغامرين، ولا يتورع من ركوب أي وسيلة، مهما كانت، لتحقيق أهدافه. وإذا كانت تونس ما تزال حتى الآن بعيدة عن نشاط التطرف الإسلامي، فأن نقطة الضعف القاتلة التي تواجه تونس حاليا هي، أن تونس، كأي بلد عربي آخر، لم تعرف خلال تاريخها الحديث نظاما ديمقراطيا، وبالتالي ليست لديها تراكم في التجربة الديمقراطية، ولم تعرف الحياة السياسية، نتيجة للسياسات السابقة، تعددية حزبية. ونتائج هذا الواقع ظهرت مباشرة بعد هروب الرئيس السابق. فالثورة التونسية التي فجرها الشعب التونسي بعيدا عن أي مساهمة من رجال العهد القديم، وهي ما تزال ثورة بيضاء، رغم (الحريق) الذي أشعل شرارتها، ورغم ما رافقها من أعمال سلب ونهب، لم تخلق بعد رجالاتها. وقد تكون الحكومة الانتقالية التي رأسها الغنوشي ضرورية لاستمرارية أداء الدولة، لكن يجب أن تخضع إلى مراقبة شعبية، وعمرها يجب أن يكون قصيرا، ينتهي بقيام حكومة منتخبة، حتى لا تتحول الثورة إلى انقلاب قصر، يهدف لتشذيب الأشجار بدلا من حرث التربة، وزرع أشجار ديمقراطية، أي أن القناني وحدها هي التي تتغير لكن النبيذ يبقى هو نفسه. وهذا هدف ستسعى قوى تونسية داخلية متضررة لتحقيقه، وسيعمل بعض جيران تونس ما في وسعهم لتحقيقه، خوفا من انتشار عدوى التغيير. ولهذا، فأن على التونسيين أن يبدأوا بإقامة (عهد) جديد، أو (جمهورية ثانية)، وإحداث قطيعة نهائية مع العهد السابق: إقصاء قادة العهد البائد من إدارة العملية السياسية الجارية، وليس كل من (سجل) في الحزب الدستوري، إطلاق الحريات العامة والخاصة بكل أنواعها، إجراء انتخابات ديمقراطية نزيهة وحرة، كتابة دستور جديد للبلاد تتسم نصوصه بوضوح كامل غير قابلة للتأويل وتتلاءم مع التطلعات الديمقراطية الجديدة. إلغاء أي نصوص قانونية شرعها النظام السابق من التي تتقاطع مع الديمقراطية الوليدة. إذ يجب على التونسيين أن يعرفوا، استنادا للتجربة العراقية، أن القوانين التي شرعها نظام صدام حسين يتم نبشها الآن وتتم الاستعانة بها من قبل رجال العهد الديمقراطي الجديد للالتفاف على الديمقراطية ولخنق الحريات، بهذه الذريعة أو تلك. وحتى فقرات الدستور العراقي التي تكفل الديمقراطية والحريات بدأت بعض القوى التي ساهمت في كتابتها تعيد الآن تفسيرها على هواها، وبما يلاءم مواقفها وأفكارها.