حان في ليبيا وقت الثورة والانقضاض على الطاغية، اعتبارا من يوم 17 فبراير عندما انطلقت اولى شرارات العمل الثوري الشعبي الذي ينخرط فيه الشعب بكل فصائله وشرائحه والوان طيفه السياسي (عدا عبيد النظام وجلاوزته وازلامه) وصار هذا اليوم يوما للفرز واتخاذ المواقف، ولا عذر لانسان يدعي الشرف والنزاهة والوطنية وحب الحرية والعدالة ويكره الظلم والاستبداد والزيف ان يبقى مصطفا مع الطاغية منضويا تحت لوائه، حتى لو كان الصق الناس به، بل ان هذا الانسان اللصيق به هو الذي يجب ان يكون اقدر من غيره على قول كلمة الحق للطاغية، ويسأله الرحيل بدل البقاء على اشلاء الموتى وجماجم الشهداء من ابناء شعبه، وسيكون شرفا لمثل هذا الشخص ان يترك الطاغية ويتخلى عنه، كما كان شرفا ان يفعل ذلك اناس كانوا وزراء في النظام واعلنوا انشقافهم فور ان نادي المنادي بالفرز والنفير ضد دولة الطغيان، مثل السادة عبد المنعم الهوني و عبد الفتاح يونس ومحمود جبريل وعبد الرحمن شلقم ومصطفى عبد الجليل وغيرهم من سفراء مثل ابراهيم الدباشي وعلى الاوجلي وعلى العيساوي، ولعله ما كان للثورة ان تحقق هذه الانطلاقة العملاقة لولا جهود هذه المجموعة من المسئولين المنشقين على النظام، ولا احد يمكن ان يلومهم على انهم عملوا مع النظام او يلوم اي احد غيرهم، فهناك في البلاد نظام قائم، ولا يدان المرء لمجرد انه عمل من خلاله، وادى واجبه في حدود الامانة والنزاهة والقانون، ولكنه يدان طبعا اذا استغل هذا المنصب في ارتكاب جرائم او انحرافات او تربح من المال العام او انساق في اهانة المواطنين تعذيبا واجراما وصل مع بعض ازلام النظام الى القتل وتصفية الخصوم والمعارضين للطاغية، او شارك باي شكل من الاشكال في مثل هذه العمليات او غيرها من اعمال التخريب والانحراف، وفي مثل هذه الحالات فانه لا عاصم من المحاسبة والمحاكمة، اذا كنا حقا اهل ثورة تستحق اسمها وشرف انتمائها للشعب، والشرف معقود طبعا لمن استطاع مقارعة الطاغية في اوقات مبكرة ورفع راية العصيان ضده من اخوتنا الذين عاشوا خارج البلاد يلاحقهم الطاغية بمفارزه المفيوزية وعصابات القتل والتصفية، والمجد كل المجد للشهداء من ضحايا الطاغية في الخارج والداخل ممن دفعوا الثمن من دمائهم وقدموا ارواحهم على مذبح الوطن.

وكان لابد لكاتب مثلي مسكون بهاجس الوطن والحرية، ان يلبي نداء الثورة منذ يومها الاول، وكنت موجودا في طرابلس عندما تفجرت الثورة ضد الطاغية، فجعلت جهدي الرحيل خارج الوطن لاتمكن من المساهمة وكنت اذهب الى المطار بمعدل يوم بعد الاخر دون فائدة ولم استطع الا بعد محاولات كثيرة الحصول على طائرة اقلتني مع اسرتي خارج البلاد لاستطيع ان امارس دوري في مواكبة المسيرة النضالية بمقالاتي، وطبعا كان لابد من ان اجد اصواتا، على الطرفين تحاول التشويش على مسيرتي، فلم يكن موقفي بطبيعة الحال يرضي ازلام النظام الذين مازالوا يضعون عصابات فوق اعينهم فلا تبصر الجرائم البشعة التي يرتكبها نظام يناصرونه ويريدون من انسان مثلي ان يبقى موجودا مثلهم لا يرى ولا يسمع ولا يتكلم كالقرد الصيني في التماثيل الشهيرة، وهو امر طبيعي ان اتلقى السباب من المنتمين لمعسكر الطاغية، ولكن ما لم استطع فهمه، هو ان اجد من معسكر المدعين انتسابا للثورة مثل هذا الاعتراض، بحجة انني لم اكتب عن جرائم النظام قبل الثورة، وكاننا كنا نعيش في بلد به ادنى هامش من الديمقراطية يبيح مليمترا واحدا من المعارضة والراي الاخر، ومع ذلك اقول انني ككاتب اهتم بالابداع رواية ومسرحا وقصة قصيرة وظلت اعمالي كلها تصب في اثراء الروح الوطنية وتربية الوجدان المترع بحب الارض وقيم الحق والخير والعدل والجمال وشرف الانتماء للمثل النبيلة والولاء والوفاء للاهل والوطن، بل هناك قصص اعتبرها النقاد من التراث الانساني الذي حارب الطغيان والاستبداد ورفع من قيم الحرية واحتفى بها على كل المستويات الخاصة والعامة.وليتفضل القاريء المتشكك بانزال كتابي القصصي خمس خنافس تحاكم الشجرة مجانا على هذا الرابط ليتاكد مما اقولاضغط هنا

ولابد بهذه المناسبة من وضع بعض الحقائق امام القاريء وبالذات ذلك الذي يهتم بمتابعة مسيرتي ككاتب معتذرا على هذا التماس مع الجانب الشخصي ولكن بمقدار ما تحتمه الضرورة، واول هذه الحقائق انني عندما جاء انقلاب التاسع والستين كنت كاتبا، ظاهرا للعيان وليس كاتبا مغمورا لا تستطيع رؤيته السلطة الجديدة فتتفاداه ويتفاداها، كنت كاتبا امضى عشر سنوات واسمه يظهر في الصحف احيانا في ابواب يومية وفي الاذاعة في برامج تذاع كل صباح،واصدرت قبل اربع سنوات من الانقلاب كتاب البحر لا ماء فيه الذي نال اعتراف المجتمع الادبي العربي بشخصي واحتفي به النقاد على المستوى العربي واصدرت بعد ذلك كتابي اربطوا احزمة المقاعد واختار استاذنا الراحل عبد القادر القط تدريسهما في الجامعة الليبية، ودعيت بعد ايام من قيام الانقلاب الى تقديم برنامج يومي في الاذاعة اسمه كلمات الى الشعب كنت اتناوب على تقديمه مع الزميلين كامل عراب ويوسف الشريف، وبسبب هذه المكانة الادبية تم تكريمي من مجلس قيادة الثورة في اول عام للعهد الجديد وقام رئيس المجلس او رئيس الدولة، بتسليمي شهادة تقدير الثورة في المجال الادبي وكان بجاوره ضيفه الرئيس اليمني ربيع علي، في اول عيد للعلم عام 1970، هذه حقيقة اولى، وحقيقة ثانية انه لم تشملني محكمة الشعب التي شملت اغلب الزملاء الكتاب والصحفيين لانه لم يكن في سجلي ما يبرر وصولي الى المحاكمة مع الاعتراف بان محاكمة الكتاب كانت محاكمة لا مبرر لها اساسا، الا العنث والكبر من قائد الانقلاب وانتقامه من رموز كان صعبا عليه الوصول الى مستواهم خاصة عندما سعى لنشر كتابه السوق العسكري وقوبل بالرفض، ولعل هذا السجل هو ما دعا اهل الانقلاب، عند عودتي من بعثة بالخارج، الى عرض وظيفة رئيس تحرير صحيفة الثورة، وكانت المنبر الاعلامي الوحيد للثورة وصوتها الى العالم، وكان ذلك عام 1972، ولعل هناك من همس في اذني انني استطيع الان ان اكون في منزلة تشبه منزلة رئيس تحرير الاهرام من رئيس النظام في مصر، ولكنني لم اعبأ بمثل هذا القول وبالعكس من ذلك، احلت الصحيفة الى منبر حر، الى حد ان كثيرين ظنوا ان هناك تحولا حصل في النظام وان تيارا تحرريا في المجلس العسكري انتصر على التقليديين، وهذا ما نقله لي الزميل ابراهيم الكوني الذي كان موجودا في موسكو وراى مع زملائه هناك التحول الذي حدث لصحيفة الثورة وظنوه تحولا في السياسات، بينما كان مجرد اجتهاد مني، فقد استكتبت كتابا يمثلون كل الوان الطيف السياسي بدءا من استاذنا الشيخ الطاهر الزاوي الى شيخنا الفاضل محمود صبحي ومن ناحية اخرى عددا من المحسوبين على الاتجاه العلماني مثل الاساتذه كامل المقهور ومحمد احمد الزوي وامين مازن ويوسف الشريف وكتابا من اهل الاعتدال والوسطية مثل شيخ الادباء على مصطفي المصراتي، واخترت ان اكتب بابا يوميا نقديا يحمل اسما يدل على المشاغبة هو رمية حجر، وهو عمود ساخر باسم مستعار هو سعدان، وكان المدافع عني ازاء غضب اعضاء المجلس العسكري هو المرحوم صالح ابويصير الذي كان وزيرا للاعلام، الى ان جاءني من واحد من الاعضاء كان يعمل رقيبا عاما رسالة تمنع محرر باب رمية حجر من الكتابة. ولانني كنت انا محرر الباب فقد وجدت نفسي رئيسا للتحرير لا يستطيع بحكم تلك الرسالة ان يكتب، ولم يكن قرار تعييني رئيسا للتحرير قد تم توقيعه من قبل رئيس مجلس قيادة الثورة وقد مرت ثلاثة اشهر على وجود القرار في درج مكتبه مرفوعا من وزير الاعلام فعرفت انه لم يعد لي مكان في الصحيفة ورجعت الى منصبي السابق وهو مدير المعهد الوطني للتمثيل والموسيقي. الحقيقة الثالثة ان عمر النظام تجاوز واحدا واربعين عاما ولم يكن ممكنا خلال هذا الزمن الطويل منخرطا في العمل في الدولة بمرتب شهري، لا املك الاستغناء عنه ولا كان متاحا لي الهجرة من البلاد، الا يحدث تجاذب وتعارف بل وصداقة بيني وبين المسئولين في النظام وقد سافرت اثناء عملي الثقافي او الصحفي مع اغلب الاعضاء في رحلات كانت تقضى ان نقوم بالفسحة معا ونقيم في مكان واحد معا ونجلس الى مائدة طعام واحدة وهو ما حدث مع راس النظام والرجل الثاني كما كانوا يسمون الاخ جلود الى ثالث مثل الخويلدي الى الاخ ابوبكر يونس الى كل من جاء امينا للجنة العامة مثل الاخوة الزروق والعبيدي والزوي والمنقوش ودوردة وغيرهم، وربطتني صداقة ببعضهم كما ربطتني صداقة مع اناس في المعارضة لم اكن اتحرج من الالتقاء بهم مثل الاساتذه فاضل المسعودي والمرحوم محمود المغربي والاستاذ عبد المنعم الهوني والاستاذ عاشور الشامس والمرحوم على البوزيدي وغيرهم وغيرهم فهناك جانب انساني خارج الاطر الرسمية ولم تكن صداقتي تمنع ان اكون مختلفا عن فكر هذا الصديق، كما ضمتني لجان شكلتها الدولة في المجال الثقافي والاعلامي جمعتني مع كل رموز الادب في ليبيا مثل صادق النيهوم والقويرى والتليسي والمصراتي والكوني ومازن والزوي وغيرهم وغيرهم بعضها برئاسة رجال في الدولة مثل جلود بل وكانت احداها مهمة ترتب عليها خروج الاخ جلود من الحكم لانه اعد خطة لانقاذ البلاد كما اسماها وعهد لي مهمة المقرر للجنة الثقافة ووضعت مع زملائي خطة تطمح، كما طلب منا، ان تكون اعلى مستوى نريد ان تصله الخدمة الثقافية في بلادنا، كما طلب من غيري في حقول سياسية واقتصادية واجتماعية وادارية، تقديم مثل هذه التصور وكما يعرف المتابعون للشان الليبي تم اهمالها وكان الاخ جلود قد وضع تنفيذ الخطة شرطا لاستمراره في العمل، ولهذا انسحب من مسئوليته انسحابا نهائيا رافضا كل نداءات العودة. وكنت اتوقع منه اصطفافا مع الثورة عند قيامها ولكنه للاسف الشديد ظل صامتا لا نسمع منه شيئا.
الحقيقة الرابعة هي انني كاتب اختار طريق القلم واكتب احيانا بشكل يومي ولم يكن ممكنا ان اعيش تحت نظام يتحكم في ذرات الهواء الا ان تكون لي مشاركتي في التعليق على احداث بالايجاب رغم انها قد تبدو الان في ضوء جديد. غير ما رايناها عليه في اطارها الزماني والمكاني. وتوليت رئاسة مطبوعات كثيرة، وكنت فعلا اتجنب ان انشر شيئا لا يتفق مع قناعاتي واحاول عندما اكتب عن عمل من اعمال الحكومة ان اختار شيئا اري فيه جانبا يستحق الاشادة، وخلال فترتي القصيرة في الثورة او فترة اربع سنوات في الاسبوع الثقافي اتحدى ان يجد الانسان مقالة واحدة تشيد بالنظام او رئيسه بل انني كنت احجب مقالات اراها تماليء النظام او تكرس حكم الفرد، وانا لا اتكلم عن مطبوعات سرية وانما عن مطبوعات لها سجل محفوظ في المكتبات العامة يستطيع ان يعود اليها الناس بل كنت اكتب مقالات تجد طريقها الى صحف تعارض ليبيا في الخارج وكنت احاول استغلال اي هامش يتيح تحت نظام القمع والرعب ان اسرب منه كلمة نقد. ولانني لم اكن بوقا من ابواق النظام وانا اعمل مستشارا اعلاميا في الخارج تم تقديمي اثناء عودتي لمحاكمة تاديبية ادارية برئاسة وكيل امانة الاعلام والثقافة وكانت مليئة بالتهديد والوعيد لتقصيري في الدفاع عن الثورة.
وحتى خلال ايام احتدام الصراع والاحتقان ودخول بعض الصحفيين في حمى التنديد بالمعارضين كنت ابتعد بنفسي واعكف على مدونتي الادبية لاواصل كتابة ما يمكن ان يضيف شيئا الى عالم الادب المسرحي او الادب القصصي او الادب الروائي مما جعلني صاحب تراث في هذا المجال يوازي انتاج كتاب تفرغوا تفرغا كاملا للادب مع ان هذا لم يكن متاحا لي في اي من الايام وكان لابد ان اعمل عملا اتقاضى عنه راتبا في الصحافة او العمل الدبلوماسي كما لم اكتب يوما عن النظرية التي فرضها حاكم البلاد على الشعب او اشيد بافكاره وهي الكتابة التي كانت طريق كثيرين من اصحاب ارباع المواهب في الوصول الى الكرسي الوزاري الذي اشرف بانه عندما وصل لي وبرفع ايدي اعضاء رابطة الادباء والكتاب والفنانين في مسرح الكشاف عام 1982 الذين اختاروني لهذا المنصب استاذنت من قلم القيادة في الذهاب لحضور مناقشة رسالتي للدكتوراه وكانت فرصة لاعطاء المنصب، بعد انتظار لعودتي دام ثلاثة اشهر، الى غيري.
ويحب بعض الناس الاشارة الى ان كتابا قصصيا صدر للقذافي مع تعقيب لي يشيد بالقصص، وطبعا يستطيع القاريء ان يفهم انني لم اتطوع بكتابة هذا التعليق او التعقيب، طالما هو موجود في الكتاب في طبعته الاولى، وواضح ايضا ان المؤلف اختار كاتبا يقدم له الكتاب ووقع اختياره على كاتب هذه الحروف، ويعرف كل ناشئة الادب انه لم يطلب مني كاتب كتابة مقدمة له الا فعلت، فكيف اذا كان الكاتب هو رئيس البلاد، وقد اخترت بين المجموعة قصتين فقط كتبت عنهما لانني رايتهما يحملان قيمة ادبية، ومازالا يحملانها، ومهما كانت القيمة الادبية لهاتين القصتين فانهما لا تستطيعا ان تجعل ميزان الرجل يميل الى الخير او الجمال او الابداع، بجوار سجله الذي صار يراه العالم على شاشات الفضائيات قتلا واجراما وتدميرا وخروجا على كل النواميس الشرعية والانسانية.كما يذكر لي بعضهم انني كتبت مقالة عن الاخ الحميدي اثناء مرضه وظهوراشاعة عن موته،وقد سافرت مع الرجل في اكثر من رحلة ذكرتها في المقالة وتمنيت له في هذه المقالة القصيرة الشفاء بعد ان رايته في حالة من الضعف والهوان امام المرض واشاعة موته التي وصلت اليه، تدعو الى الاشفاق والرثاء، وكان له موقف اثناء علاجي وارسل لي مواساته، فهل كان جرما ان ابادل انسانا نفس المشاعر، وليتفضل اذا وجد اي قاريء كلمة خارج العواطف الانسانية والمسائل الشخصية في هذه المقالة تشير الى سياسة او نظام فليتفضل بلومي وتثريبي. حقيقة رابعة او خامسة لابد من قولها، وقد نشرت الصحف منذ ايام قليلة وثائق وجدت في مقر مخابرات النظام في بنغازي تدل على محاربته للتفوق والشهرة وفقا للشعار المرفوع منذ مجيء الانقلاب وهو لا نجومية في المجتمع الجماهيري، واعتز بان كاتبا مثلي استطاع ان يصل بالقصة الليبية والرواية الليبية والنص المسرحي الليبي، الى مشارف عالية عربيا وعالميا،رغم وجود هذه العراقيل التي يضعها النظام امام اي انسان موهوب يريد الخروج على الاقفاص والاقبية التي اعدها للمتفوقين من ابناء البلاد،وكان يمكن ان يكون مصيري الصمت والتوقف على الكتابة كما فعل كتاب غيري، فهل كان حلا ان احكم على موهبتي بالموت، ام امضى ادافع عن هذه الموهبة واسعى لصقلها وتطويرها والحرص على ان اقوم بواجب الاديب نحو وطنه وشعبه، وكنت فعلا اشق طريقي متفاديا الاسلاك الشائكة التي يضعها النظام في طريقي، ولا مجال هنا لسرد اية تفاصيل عنها، لانني لست هنا في مقام قصة مبدع ومثقف مثلي مع النظام الانقلابي ورئيسه الذي استحق ان نسميه عدو البشر، لا عدو الليبيين فقط. ولاشك ان هناك صفحات كثيرة يمكن تحبيرها عن تجاربي مع النظام ساحتفظ لها بمكان في كتاب عن سيرتي الذاتية.
وكانه لم يكن كافيا ان اتلقى ترخصات وتنطعات ازلام النظام بسبب ما اكتبه عن الثورة ضد الطاغية، لاجد فيما يكتب من تعليقات وفيما يردني احيانا من رسائل على البريد الاليكتروني ترخصات وتنطعات ممن يدعون انتسابا للثورة لا يزيل طعمها الماسخ من فمي الا اصوات كثيرة نبيلة تناصر وتبارك هذه المقالات.
ولابد هنا من تعليق اخير، وهو ان النظام الليبي السابق، وعلى مدى هذه العقود الاربعة، كان قد اخذ على نفسه القيام برسالة شريرة، اعتبرها وسيلة من وسائل بقائه جاثما على صدور الليبيين، وهي تحريك النوازع الرخيصة، والنفخ في العصبيات وتحريك الغرائز البدائية، والجوانب الشريرة في الانسان، ويمتليء قاموسه بكلمات مثل الزحف التي يرددها الاف المرات في اليوم وكان الناس تحولوا الى حشرات زاحفة، ولا تسمع في اذاعاته ونشراته ومحطاته المرئية، وخطابات اهله الا لغة العنف والتصفية الجسدية والهجوم على الاعداء والسحق ودوس على الرجعي والخائن وطبعا يمكن لكل وطني في قاموسه ان يكون رجعيا وخائنا ويستحق ان يداس بالاقدام، بل وصلت به الفحشاء والمنكر الى ان يسمي كل انسان يهرب من نظامه الاجرامي الدموي الفاسد كلبا ضالا، حتى لو لم يكن خصما له، وهاهو خلال هذه الايام، وهو يعاني حشرجة الموت، وقد وصل الى الرمق الاخير في حياته، يسمي الشعب الثائر ضده بالجرذان، ولم يكن يتعلم الاطفال في سن الروضة الا هذا القاموس الارهابي الهمجي البربري وكان منظرا مالوفا ان نرى اطفالا على شاشة التليفزيون يرددون كلمات الزعيم وهو يقول نموت في نيكاراجوا لانه لا يحب الا مفردات الموت والهدم والخراب، واذكر انه في الايام الاولي للانقلاب، جاء منشور للادارات يمنع استخدام لغة من فضلك ونرجو، والقاب السيد وكلمات فائق الاحترام، حتى اختفى من قاموس الادارة الليبية كل ما يدل على الذوق والادب والمعاملة الكريمة بين الناس، ويعزز هذا القاموس الكريه الحقير، تصرفات واعمال تجسد العنف والارهاب كسلوك وممارسة وصيرورة تارخية على مدى العقود التي قضاهاهذا الحاكم فوق سدة الحكم، تجنيدا للاطفال ودفعا بهم لارض المعارك وتدريبا عسكريا يكاد يصل الى مرحلة الروضة، ثم عنف وهو يقودهم الى التجنيد، ويجمعهم احيان بالقوة من الاسواق و ملاعب الكرة،بما لم يفعله المستعمر الايطالي قبله، علاوة على ممارساته في زج الناس في السجون ومعاملتهم الاجرامية في غرف التعذيب ومراكز الشرطة.
ولهذا لم اكن استغرب لمثل هذه التعليقات تاتي من اناس امتلات نفوسهم بهذا القاموس الارهابي وتعودوا على استخدامه للاسف الشديد خاصة من اتباع النظام وقلة ممن انشقوا على النظام لكنهم ظلوا يحملون ندوبا وبثورا ودمامل في نفوسهم لم يستطيعوا معالجتها.
وما اقوله لهؤلاء المنشقين على النظام، ان الثورة هي فعل تحرر وتطهر وخلاص، واول علامات
هذا التحرر والتطهر والخلاص، هو التحرر من ارث الطاغية في نفوسنا، والامتناع عن استخدام قاموسه، ومعالجة انفسنا من ممارساته التي انطبعت في الذاكرة والوجدان وذلك بان ننبذها ونعلم نفسنا كراهيتها، لا كراهية اهلنا ورفاقنا في المجتمع والثورة، وان نشحن بطاريات النفوس بطاقة الحب بدلا من طاقة الشر التي كان يشحن بها النظام المواطنين، هذا ما اتمناه، وان تتسع نفوسنا لتحمل بعضنا بعضا بل وان يحل الصفاء والوئام بيننا، وان نتعلم ان الاتهام بالكلام ليس بديلا للبرهان، لان النظام كان يكتفي، بل ولايزال في اذاعته، يكتفي بان يقول على انسان يخاصمه في الراي والموقف، انه الخائن العميل ويحاسبه على هذا الاساس ويصدر حكم الادانة بلا قضاء ولا دفاع ولا شهود، بل رأينا على شاشات الفضائيات جنوده يقتلون الاسرى، بعد ان يوجهون لهم الاتهام بالخيانة والعمالة، دون دليل ولا برهان ولا محاكمة، فلنتمثل قيم الثورة ونسلك سلوكها فمهما كان الاتهام شنيعا فهو لا يكون جرما ولا ادانة قبل الدليل الذي يوجب هذه الادانة، والمتهم بريء الى ان يثبت العكس بالبرهان الساطع القاطع الذي يقبله القضاء، وبمثل هذا التفكير وهذا السلوك نستطيع ان نتواءم جميعا مع الصيرورة الثورية ونكون جزءا منها وقوة مضافة اليها نتحرك بها وتتحرك بنا نحو تحقيق الخلاص والنهوض والبناء.
و لا اقول شخصيا انني مبرأ من الاثام والذنوب ولكنني اقول انني اطمح بالدخول في مناخات الثورة واجواءها بان احقق لنفسي ما اتحدث عنه من تحرر وخلاص وتطهر من ادران الماضي، وارى ان الثورة سبيلنا جميعا للوصول باهلنا وبلادنا الى بناء المدينة الموعودة والمجتمع السعيد الذي نحلم به لانفسنا واولادنا واحفادنا.