قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

بعيدا عن الأجواء الانفعالية التي رافقت الأحداث الدراماتيكية لنهاية حكم الأحزاب الدينية في ارض مصر، فان ما حدث يؤكد عدم صلاحية بيئة هذه المنطقة لأي حكم ديني إسلامي كان أم مسيحي، سني كان أم شيعي، فقد أصبح جزء من التراث السياسي والاجتماعي القديم ولا يمكن مزاوجته مع معطيات العصر الحديث والياته وأعرافه خاصة في المجتمعات السياسية والمدنية في بلدان يعتبر الغالب منها ذي تكوين متعدد الأعراق والأديان والمذاهب والقوميات بما لا يعطي أي فرصة لإقامة دولة الإمام ونظام الشريعة؟

إن احد أهم عوامل فشل الإدارة السياسية لأي نظام ديني هو اعتماده للتشريع الديني الذي لم يتفق عليه لحد يومنا هذا، المذهبين الرئيسيين في الإسلام وهما السنة والشيعة وفي نظرتهما حتى لكثير من الثوابت العامة والتعامل مع مظاهر الحياة المعاصرة، هذا إلى جانب الاختلافات الحادة بين معظم الفقهاء والمراجع في المذاهب السنية الأربعة، وفي التقاطع الحاد بين كثير من المرجعيات الشيعية أيضا.

وخلال سنة واحدة من حكم الإخوان في مصر كشفت الفاشية والدكتاتورية عن أنيابها من خلال سلوك واضح لدى الحزب أو الرئيس، مما دفع الأهالي بقوة إلى الخروج بملايين الشباب وبالتوافق مع إرادة الجيش والشرطة، التي أخذت على عاتقها تنظيم وإدارة عملية الإنهاء والإزالة ومن ثم الانتقال إلى إشغال الفراغ برموز مدنية لأول مرة في تاريخ الانقلابات العربية دونما بيانات وبلاغات وأناشيد حماسية، وبتوافق قل نظيره في عمليات التغيير جمع تحت جناحيه معظم القوى الفاعلة سياسيا ودينيا واجتماعيا، مع ترحيب وارتياح واضحين من القوى الرئيسية إقليميا وعالميا، وما تصريح الخارجية الأمريكية قبل سويعات من إعلان بيان القوات المسلحة، بان ما يجري في مصر ليس انقلابا، أعطى إشارة واضحة باستكمال العملية، خاصة وان الرأي العام الأمريكي والأوربي كان قد أصيب بالإحباط لنتائج الانتخابات التي أقلت جماعة الإخوان إلى دفة الحكم وما رافقها من عمليات تزوير كبيرة واستخدام خطير لوسيلة الدين وفتاويه مع الأغلبية البائسة والساذجة من الشعب، كما حصل في دورتين انتخابيتين هنا في العراق وعملية الاستخدام البشع للدين ورجاله للهيمنة على مفاصل الدولة وسلطاتها الثلاث.

إن ما فعله شعب مصر العريق اثبت إن الشارع المصري الأكبر والأطول في المنطقة العربية والإسلامية يرفض أي مساس في بنيته المدنية لحساب حركة دينية تعتمد الايدولوجيا المفرطة في إدارة البلاد وتوجيهها بل وزراعة عناصرها في كل مفاصل الدولة والمجتمع كما فعل البعثيون في تجربتهم المخزية والفاشلة في صناعة الدولة القومية بمواصفات شوفينية فاشية كما عهدها العراقيون والسوريون على حد سواء.

لقد أعطت ثورة شعب مصر العظيمة إشارة قوية لكل شعوب المنطقة في ضرورة الإسراع بتشريع قوانين تفصل الدين عن الدولة، بل وتحرم تأسيس أو تنظيم أي حركة أو جمعية أو حزب سياسي على خلفية إيديولوجية دينية أو مذهبية أو قومية عنصرية وخاصة في البلدان ذات المكونات العرقية والدينية والمذهبية المختلفة.

[email protected]