يسود تفهّم عقائدي بين العراقيين للمناسبات الدينية، فتنحسر التحضيرات لعيد رأس السنة حيث يبتعدون عن الإحتفالات العلنية، ويراعي المسيحيون تزامنه مع ذكرى عاشوراء والأجندة المحافظة. وسيستقبل أغلب العراقيين العام الجديد في بيوتهم مجتمعين بالأصدقاء والأهل.

رغم بروز بعض مظاهر الإحتفال بالعيد إلا ان العراقيون يبتعدون عن الإحتفال العلني برأس السنة

يستعد الكثير من العراقيين، لا سيما الشباب، منهم لقضاء ليلة رأس السنة في جلسات جماعية في البيوت والمقاهي، وفي الساحات الموجودة في مراكز المدن، لكن تزامن المناسبة مع مراسم عاشوراء الدينية، يحدّ الكثير من الفعاليات الإحتفالية بالمناسبة خصوصاً في مناطق الوسط والجنوب.

ورغم أن الشباب العراقي تنتابه رغبة في الإحتفال بليلة رأس السنة من كل عام، إلا أنه يحذر في التعبير عن مشاعره بسبب دعوات تدعو إلى تحريم الإحتفال بهذه المناسبة من قبل بعض الجهات الدينية المتشددة.

وهذه الدعوات يسمعها الطالب الجامعي عامر عبد الله (23 سنة) بين الحين والآخر، لكنه يحتفل وأصدقاءه ليلة رأس السنة من كل عام في أحد البيوت، حيث يهيئون المشروبات الغازية والعصائر إضافة إلى الأكل العراقي والفطائر والحلوى ويبقون إلى الفجر يتجاذبون أطراف الحديث أمام شاشة التلفاز.

إحتفال الشباب المسلم بأعياد الميلاد

ويقول عامر إن احتفال الكثير من الشباب المسلم بأعياد الميلاد، لا يتخلله الترف الكثير أو الإحتفالات العلنية بل هي تجمعات بسيطة في المقاهي والبيوت والنوادي الإجتماعية.

ويتابع: quot;ينتابني شعور جميل بحلول سنة جديدة، كما ينتابني هاجس تحقيق للأماني التي لم أستطع تحقيقها في العام المنصرمquot;.

ويحتفل سعيد كامل، الطالب في ثانوية بغداد، بعيد الميلاد مع أهله وأسرته وليس هناك احتفال علني أو شجرة ميلاد، معللاً: quot;لأننا مسلمون، فإننا نشارك أبناء الطائفة المسيحية الاحتفال بأعياد الميلاد. وأهنئ زملائي من المسيحيين في المدرسة بالعيد، وأرجو لهم تحقيق الأمانيquot;.

من جانب آخر، تقول الموظفة بتول غصن من كربلاء (108 كم جنوب غربي بغداد) إنها في ليلة رأس السنة تستعيد إنجازاتها ونجاحاتها وإخفاقاتها طيلة العام المنصرم، وتحتفل مع أهلها وأقربائها في البيت عبر تحضير الحلويات والمأكولات ومتابعة احتفالات العالم بالمناسبة عبر شاشات التلفزيونquot;.

أما الشاب امين الحاج الذي عاد من دولة السويد بغية الإحتفال مع أهله وأصدقائه بأعياد الميلاد، فيقول: quot;انا أزور العراق لمناسبتين، الأولى للمشاركة في مراسم عاشوراء في النجف، وأيضا لقضاء رأس السنة الجديدة بين أهليquot;. ويشرح كيف تتميز الاحتفالات بأعياد رأس السنة في السويد، لكنه يقول إن quot;الأجواء الباردة والشعور بالغربة يجعل الإحتفال خالياً من المشاعر والأحاسيس التي تنتابك وأنت في وطنكquot;.

ويتابع الحاج: quot;لا شك أن اغلب المغتربين يستذكرون الوطن في ليلة رأس السنة وليس كما يتصور البعض، بل إن العراقيين في المنفى نادراً ما ينظمون الحفلات الخاصة وغالبا ما يجتمعون مع بعضهم للتمتع بالمناسبةquot;.

واعتاد الكثير من العراقيين، لا سيما أبناء الطائفة المسيحية، على الإحتفالات ابتهاجاً برأس السنة الميلادية. لكن هذه الظاهرة انحسرت بعد العام 2003، بسبب الأجندة المحافظة والوضع الأمني المتدهور الذي تسبب بمقتل وتهجير الآلاف من المسيحيين.

وتشير إحصاءات الى أن أعداد المسيحيين قبل الدخول الأميركي للعراق في العام 2003 كانت في حدود 850 ألفاً يتمركزون في بغداد والموصل وكركوك والبصرة، إلا أن العدد تراجع كثيراً خلال السنوات الأخيرة بسبب هجرة عشرات الآلاف.

وعدا بغداد التي تشهد تسابقا بين منظمي الحفلات في الفنادق والأماكن السياحية والترفيهية، فإن اغلب مدن العراق لا تشهد هذه الظاهرة الا بقدر محدود، ويفضل كثيرون الاحتفال في البيوت، بل يرفض البعض منهم الاحتفال بالمناسبة لانها تتزامن مع مناسبة عاشوراء.

عدم الإحتفال علناً

قرر المسيحيون في بعض المدن مثل البصرة وبابل وكربلاء، من سنوات عدم الإحتفال العلني بالمناسبة وفضلوا إجراء طقوس الاحتفالات في داخل البيوت والكنائس، كونه يتزامن مع ذكرى quot;عاشوراءquot; الحزينة لدى الطائفة الشيعية التي تحيي فيها ذكرى مقتل الإمام الحسين واخيه العباس في واقعة كربلاء.

لكن الإحتفالات تبدو جلية الملامح في المناطق التي تسكنها الطائفة المسيحية، مثل منطقة ( الصناعة) في بغداد، وبلدة عينكاوا ذات الأغلبية المسيحية في إقليم كردستان.

وتقول مريم حنا (40 عاما) من بغداد ان المسيحيين في بغداد استعدوا جيدا للمناسبة، حيث سيلبس الجميع ملابس العيد كما يرتدي الأطفال ملابس بابا نويل، وتوقد الشموع. وتتوقع مريم ان تشهد احتفالية العام الجديد زخما أكبر قياسا الى السنوات السابقة.

وتتابع: quot;ستكون الاحتفالات مصحوبة بخطة أمنية تكفلت بها الجهات المعنية حيث ستنتشر الشرطة قرب المناطق المسيحية والكنائس تحسبا للحالات الطارئةquot;.

واختار محمد معن (مدرس، 35 سنة ) اقامة احتفال صغير في بيته في كرادة مريم في بغداد بحضور أصدقاء وأقرباء حيث يجيد العزف على آلة العود.

ويلمح المراقب الكثير من ملامح رأس السنة في مناطق بغداد التي تنتشر فيها الطائفة المسيحية، لكن هذه المظاهر تبدو نادرة جدا في أغلب مدن العراق الأخرى. وفي بعض أسواق المدن يضع أصحاب المحلات التجارية الزينة و بابا نويل للترحيب بالزائرين.

أما كاظم البياتي وهو صاحب متجر (30 سنة ) فقد قرر قضاء ليلة رأس السنة مع أصدقائه في مركز اجتماعي ( كازينو ) للعب البليارد وتدخين النارجيلة، ومشاهدة احتفالات العالم عبر التلفزيون. يتابع البياتي: quot;تعد والدتي بعض الأكلات والحلويات وغالبا ما أناقش خلال ليلة رأس السنة نجاحاتي وإخفاقاتي في العام المنصرم مع أصدقائي وأستعين بآرائهمquot;.