الحكام العرب، الذين تصدمهم مشاكل داخلية كبرى تثير غضب الشارع، يستخدمون ورقة المؤامرة الخارجية لستر الخطايا والعلل الداخلية، ودور الحكام في خلق أو في تأجيج المشاكل.
في هذا العام الملتهب عربيا، فعل ذلك علي عبد الله صالح، ثم اعتذر بعد أن اتهم مكتبا أميركيا- إسرائيليا بخلق الانتفاضة وإدارتها. وأما بشار الأسد، فإنه في كل خطاب له يقحم حكاية المؤامرة الخارجية وكأنها الملح في الطعام. وهكذا يفعل القذافي.

أما اليوم، فيأتي، كما يبدو، دور حكام مصر الجدد! وهنا اقصد التصريح المنسوب للسيد يحيى الجمل، نائب رئيس الوزراء، المنشور في الصحف، ومنها إيلاف، منذ يومين أو ثلاثة، وإذ يقول إن أميركا وإسرائيل هما وراء التوترات الطائفية الأخيرة في مصر- بس!- قاصدا الاعتداءات المتكررة على الأقباط والكنائس والمصادمات الدموية، ومن ذلك ما حدث من قيام القوات الحكومية بهدم أبنية كان الأقباط يقومون بتشييدها، بموافقة رسمية كما قالوا، والتي اعتبرها مسلمون هائجون شكل كنيسة، فبادروا لهدمها، وحدث الصدام وانطلقت العيارات النارية بين الطرفين.

لماذا تريد أميركا إزعاج الوضع المصري الجديد بينما لعب رئيسها دوره المعروف في إجبار مبارك على الرحيل، وحيث كان [أوباما] يخرج يوميا مرة أو أكثر ليخاطب مبارك بقوة quot; الآن، الآن... ارحلquot;؟؟!!

كلا، سيدي! المحنة القبطية قديمة ومزمنة، وهي جزء من محنة مسيحيي الشرق، الذين كان عددهم في الشرق الأوسط 20 بالمائة في بداية القرن العشرين ليتقلص العدد إلى 5 بالمائة لا غير. والاحتقان والتوتر والمصادمات الدينية كانت تنفجر مرارا في عهد مبارك نفسه، [المحسوب على أميركا؟]، دون أن يتخذ نظامه التدابير اللازمة للمعالجة، أمنيا، وقضائيا، وثقافيا، وسياسيا، وإصلاحا دينيا.

التقارير التي نشرت في الصحف العربية عن استقالة للسيد الجمل تم سحبها تتحدث عن ضغوط ومناورات إخوانية باتجاه إزاحته ليحل القانوني الإسلامي طارق البشري، رئيس لجنة التعديلات الدستورية، محله. فهل تصريح السيد الجمل قناعة؟ أم محاولة ترضية للإخوان؟!

في السنوات الأخيرة نشرت الصحف، ومنها إيلاف، عشرات التقارير والمقالات عن محنة أقباط مصر. ولكاتب هذه السطور مقالات عديدة بهذا الشأن، كان آخرها مقالا لي في مجلة quot; أخبار الأدبquot; القاهرية بعنوان quot; عندما كانت الكنائس تدعو فتبكي الجوامعُquot;، وهو عنوان مأخوذ من قصيدة للجواهري في العشرينيات.

كلا، سيدي! جذور المشكلة هي في مصر نفسها؛ هي في انتشار التعصب الديني في الشارع المصري بفعل تأثير أفكار الإخوان وبقية الإسلاميين، والتي تعتبر غير المسلم مواطنا من الدرجة الثانية أو العاشرة، وأن الدين الحق هو الإسلام وحده وأن ما عداه قد بطل، وغير المسلمين هم quot;كفار ذميونquot;. وهل ينسى المسئول المصري فتوى مرشد سابق للإخوان المصريين عن أنه يفضل مسلما ماليزيا للرئاسة وليس قبطيا مصريا؟؟- أي تغييب مبدأ المواطنة ونسف شعار quot; الدين لله والوطن للجميع.quot;

لقد ذكرت في بعض مقالاتي مكانة السياسي المرموق، مكرم عبيد القبطي، لدى سعد زغلول ودوره في حزب الوفد حتى أواخر الأربعينيات. وكان حزب الوفد هو الحزب المصري الأكبر والأكثر جماهيرية. ومكرم عبيد هو الذي كان يقول: quot;إن مصر ليست وطنا نعيش فيه بل وطنا يعيش فينا.quot; ولا ينكر، إلا المكابرون والمتعصبون والجهلة، الدور الرائد للمثقفين المسيحيين في النهضة المصرية والعربية الحديثة منذ أواخر القرن التاسع عشر: جرجي زيدان، أل اليازجي، آل صروف، شبلي شميل، سلامة موسى، فارس الشدياق، مي زيادة، آل البستاني، أديب إسحاق، فرج أنطون، أنستاس الكرملي [العراق]، وغيرهم كثيرون. كان دورا رائدا في مختلف ميادين العلم، والثقافة، والأدب، والتعليم، وفي تأسيس الصحف وجلب المطابع، والانفتاح على الأفكار والمنجزات الحديثة، ألخ..

نعم، إن التنكيل السلفي و الجهادي بأقباط مصر، يستمر منذ عهد مبارك، دون أن تقوم الدولة بحماية كافية للأقباط وكنائسهم. وكم من عدوان على الأقباط دون أن يكون هناك حكم إدانة واحد، بل كانت الحلول على طريقة مصالحة التبويس والعناق بين رجال الدين. وقد انفجرت المصادمات مجددا، وبتكرار، بعد الانتفاضة. وهل ننسى المظاهرات وأعمال العنف التي نظمت بسبب تعيين محافظ قبطي؟ فأين المؤامرة إن لم تكن في العقول والنفوس، وفي هذه الثقافة التعصبية والغوغائية المنتشرة، والتي يُشحن بها التلاميذ الصغار منذ الابتدائية، وفي البيوت، وفي الأحياء؟، وفي بعض وسائل الإعلام! وأي دور للمؤامرة عندما هيج البلطجية السلفيون غوغاء الشارع في قصة كاميليا، وسارعت القاعدة في بغداد لتفجير كنيسة النجاة بحجة الانتقام من الكنيسة القبطية، وراح44 ضحية بينهم العديد من النساء والأطفال، وحتى نساء حاملات؟!

لقد استغربت تساهل المجلس العسكري والحكومة المصرية، منذ الثورة، مع العابثين بالأمن في أجزاء من مصر، ومن ذلك تعطيل القطارات والعدوان على المسيحيين، وترويع أكثرية المصريين، وهو تساهل وصفه كاتب عربي بquot; الطبطبةquot; على ظهور الغوغاء لكسب رضا الشارع الهائج، ويمكن أيضا وصفه بنوع من تحالف المجلس العسكري مع الإسلاميين بوجه عام، ومع الإخوان خاصة.

لقد أعلنت الحكومة المصرية عن إعداد قانون لتوحيد قواعد لبناء دور العبادة، ونية إعداد مشروع قانون يجرم quot; التحريض والتمييز الدينيquot;، متعهدة ب quot; الوقوف بكل حزم ضد التحريض على الكراهية والتمييز والطائفيةquot;. وهذه قرارات ومواقف نراها ممتازة، والأهم هو كيفية التطبيق واستمرار هذا النهج. وأقول هذا ممتاز، ومع هذا، فإنه غير كاف؛ فالمطلوب مشروع تنويري متكامل لمكافحة الأفكار المتخلفة والتعصب الديني، بدأ من مناهج التعليم - فضلا عن إصلاحات اجتماعية واقتصادية في السعي لتقليص الفقر والبطالة، وإصلاحات سياسية نحو إشراك الأقباط في إدارة الدولة.

أجل، إن الجذر الأكبر للمشكلة هو الفكر المتطرف المتخلف للإسلاميين، على اختلاف مدارسهم وتياراتهم، وبرغم كل ما بينهم من خلافات، وهي خلافات تضمحل في الظروف quot;الفاصلةquot;، كأيام الانتخابات مثلا، وهو ما برهن عليه التصويت على التعديلات الدستورية. وليس صحيحا، في رأيي، تركيز الفضح والإدانة على السلفيين وحدهم، ومجاملة المدارس الإسلامية الأخرى، وخصوصا الإخوان المسلمين، الذين يلتقون مع السلفيين وغيرهم من المتطرفين الدينيين في هدف الدولة الدينية رغم الاختلاف في التكتيك والممارسة، فلا فرق بين السلفيين والإخوان إلا في الدرجة لا في الطبيعة، والجوهر، والهدف النهائي. وكما بينت في مقال سابق، فإن شعار quot;دولة مدنية بمرجعية إسلاميةquot;، أي قائمة على أحكام الشريعة، هو نفسه شعار الدولة الدينية وشعار الإسلام هو الحل. وقد كشف أحد قادة الإخوان بنفسه هذه الحقيقة في تصريحات لجريدة quot; المصري اليومquot;- [تصريحات المهندس سعد الحسيني] - حين تحدث عن quot;إقامة الحدquot; عندما quot;يمتلكون الأرضquot;؛ أي الأخذ بمبدأ التقية والتدرج التكتيكي في الطريق نحو إقامة الدولة الدينية في آخر المطاف، ولكن بأدوات عصرية كالانتخابات، وهو ما يجري في العراق أيضا. ويبدو أن إدارة أوباما تميل إلى هذا الخيار. وليست بلا مغزى تصريحات الدكتور سعد الدين إبراهيم بأن quot;الديمقراطيةquot; القادمة بعد الثورات سيكون للدين فيها دور أكبر، وهو تعبير لبق عن مرجعية أحكام الشريعة، ولا يعني غير إعادة البلاد لفكر وقيم وممارسات القرون الوسطى بأدوات القرن الحادي والعشرين! أما عن تمسح الإخوان بشعار الدولة المدنية مع إضافة quot; ذات مرجعية إسلاميةquot;، فأنصح بقراءة سلسلة مقالات الأستاذ أحمد عبد المعطي الحجازي في الأهرام، وأخرها بتاريخ 22 يونيو 2011 بعنوان quot; لا دولتهم مدنية ولا نظامهم ديمقراطيquot;.
إن تناغم المجلس العسكري مع الإخوان ليس طريق بناء الدولة المدنية العصرية. وهذا التناغم هو الذي يجعل بعض الكتاب المصريين المعروفين، ومنهم الدكتور مأمون فندي، يميلون للحكم بأن quot; الثورة سلمت مصر للخوان المسلمينquot; [26 يونيو 2011].


ملاحظتان:

1- استبشر عدد من الكتاب المصريين والعرب بإعلان للسيد شيخ الأزهر تعددت صيغ نشره وتفسيراته، وقيل إنها تعني دولة مدنية ديمقراطية. الإعلان جاء بعد لقاء للشيخ الطيب، وهو فعلا إنسان طيب ومتفتح، مع ممثلي كل التيارات الدينية، ومنها تيارات الإسلام السياسي. وكان ضمن الحاضرين الدكتور محمد عبد المنعم البري رئيس جبهة علماء الأزهر، الذي سبق واصطدم بشيخ الأزهر الراحل، السيد الطنطاوي، واعتزل. السيد البري خرج من الاجتماع مرتاحا ليقول إن الدكتور الطيب يسعى إلى جمع شمل جميع التيارات الدينية تحت لواء المنهج الأزهري الوسطي حتى لا يتسلل [الخلابيص] من اليهود وأذنابهم لمواقع الشهداء ويواصلوا الإساءة للدين الإسلامي. ربما بقيةquot; الخلابيصquot;، في نظر الشيخ، هم العلمانيون واللبراليون من المسلمين!!! وهذا كل ما فهمه من المقابلة.

2 - نشرت صحيفة الفيجارو تقريرا عن اعتقال الإسرائيلي في القاهرة بتهمة التحريض على التوتر الديني. الصحيفة، في تقريرها من القاهرة، تنقل شك دبلوماسيين غربيين في التهمة، وتربطها لطرد دبلوماسي إيراني؟؟ والله أعلم!