يوما بعد يوم تنكشف حقيقة زيف الشعارات الديمقراطية وممارساتها السائدة في عراق الطوائف والملل و النحل و العصابات الإيرانية التي تحولت لتكون كيانات سياسية فاشلة مفلسة تمتهن النهب و التخريب ودفع العراق لقاطرة التخلف وإعادته على المستوى الإجتماعي لعصور الفتنة الكبرى المندرسة عبر التلذذ بحكايات وملفات الصراع أيام الأمويين والعباسيين وإعتبار تلك الفترة هي بداية التاريخ ونهايته مما جعل البؤس في العراق حالة عادية جدا.

لقد كشفت الإنتفاضة الشعبية العراقية في غرب وشمال العراق عن حقائق رهيبة كانت مطموسة في ملفات الصراعات القائمة دون أن تعلن للعالمين، وأهمها ملف الإعتقالات التعسفية الفظيعة و الظلم الرهيب وحملات الإعدام المجانية وتلفيق وفبركة الإتهامات وفق أسلوب ( المخبر السري ) الذي هو واحد من أشد الصيغ الأمنية تخلفا وعبثية في التاريخ، لقد إكتشفت اللجنة الوزارية العراقية بقيادة الآغا حسين الشهرستاني تجاوزات إنسانية رهيبة للغاية بحق معتقلين بتهم إرهابية شنيعة هم في حقيقتهم أبرياء بالكامل، فيما قبع البعض بالسجون لفترات تجاوزت الأحكام الصادرة بحقهم بكثير في خروقات فظيعة وغير مقبولة ولا مبررة لحقوق الإنسان العراقي في الربع الأول من القرن الحادي والعشرين، وماخفي كان أعظم، فلو لم تندلع إنتفاضة العز والكرامة لما أميط اللثام أبدا عن تلكم التجاوزات وهي بطبيعة الحال مستمرة بصيغ ووسائل وأساليب متعددة، فرغم الصورة الديمقراطية السطحية الزاهية للأحزاب العراقية الحاكمة إلا انها في حقيقتها أحزاب فاشية إرهابية لأنها تعتمد في مناهجها على الطائفية الرثة وإحتقار الآخرين و تكفيرهم وهم بعيدون كل البعد عن الليبرالية وقيمها الحداثية، فهل من تربى في أحضان النظامين الإيراني والسوري و نهل من تجاربهما الثرية في القتل و الإرهاب يستطيع الخروج من جلده وطبيعته! مستحيل ذلك ورب الكعبة، على كل حال لقد ذكرت في عنوان المقالة إسم ( تازمامارت ) و الإسم لمن لا يعرفه أو يسمع به من العراقيين والعرب هو لسجن عسكري رهيب يقع في قرية تازمامارت الواقعة على الأطراف الجنوبية الشرقية للملكة المغربية، وهو إسم شهير للغاية في أدب السجون المغربية وفي التاريخ المغربي لمرحلة سنوات الرصاص والجمر التي إمتدت منذ اواخر خمسينيات القرن الماضي وحتى عام 1991، والسجن المذكور الذي هو عبارة عن قبر كبير كانوا ضحاياه من العسكريين المغاربة الذين تورط بعضهم في إنقلابي قصر الصخيرات ( 1971 ) و محاولة إسقاط طائرة الملك الراحل الحسن الثاني أو ما عرف بعد ذلك بإنقلاب ( الجنرال أوفقير عام 1972 )، لقد كان سجنا بمواصفات بشعة خاصة صممه أساطين القمع وشياطين الظلم، إلتهم أرواح أكثر من ثلاثين نزيلا بطرق بشعة لا تمت للإنسانية بصلة، فيما تمكن 28 آخرين من الخروج منه وهم شبه أموات، والجريمة في الموضوع هو أن بعض الضحايا كانوا محكومين بسجن خمسة أعوام فإذا بالمدة تمر دون إطلاق سراحهم ثم ليموتوا موتا بطيئا ومفزعا وبطريقة بشعة في ذلك السجن الذي أقيم بين أعوام ( 1973 و 1991 ) والذي انكرت السلطات الأمنية وقتذاك وجوده بالكامل و أعتبرته مجرد خرافة فإذا بالأخبار تتسرب و تتضح الصورة ويتبين حجم المأساة ليتم الإفراج عن المعتقلين الباقين على قيد الحياة في أيلول/ سبتمبر 1991 وتعترف الدولة المخزنية المغربية بخروقاتها الفظة وتفتح ملفات التعويضات وجبر الضرر، ولتفتح جبهات إعلامية وأدبية أخرى تسلط الضوء على ذلك المعتقل الرهيب الذي دخلت سمعته السوداء التاريخ كصورة بشعة من صور الظلم و التجاوز و الإمتهان للبشرية و الإنسانية، لقد إستطاع المغاربة بشجاعتهم و مواجهتهم للواقع فضح المستور و أعترفت الدولة بمسؤولياتها المادية و المعنوية وبدأت مرحلة المصالحة الوطنية و تشييد عصر جديد وضع الحسن الثاني لمساته النهائية في أخريات أيامه بعد ان تغير شكل العالم وطبيعة العلاقات الدولية، ولم يخجل المغاربة من نشر تجاوزاتهم علنا بل على العكس كان في ذلك عنصر قوة يعزز مناعة التغييرات المتتالية وبما يحفظ الوحدة الوطنية ويعزز السلام الإجتماعي، لقد إرتكبت جميع الأطراف المتصارعة أخطاء فظيعة ولكن في النهاية تم التوافق على دفن الماضي دون التبرؤ من نتائجه ومحاولة تعويض ما أمكن تعويضه، إنها المصالحة مع الذات وفقا لنظرية الحسن الثاني الشهيرة ( إن الوطن غفور رحيم )!.

في العراق اليوم الأمور تسير عكس التيار لأن التغيير الذي حصل في العراق لم يكن طبيعيا بل كان حالة فوقية نتجت عن إحتلال تدميري ممنهج للدولة العراقية وجاء بأحزاب عميلة وفاشية و مرتبطة بأشد الأنظمة تخلفا وسوداوية كالنظام الإيراني لتقود العملية الديمقراطية وهي المهزلة التي تمشي على أربعة أقدام؟ ولتحاول تلكم الأحزاب و تحت أغطية و أغشية الديمقراطية المزيفة تنفيذ أجندتها السرية و الهيمنة على الدولة و المجتمع و تحويل العراق لمحمية إيرانية يلعب بأرجائها غلمان الولي الإيراني الفقيه و ثعابينه التي تربت طويلا في قم وطهران، السجون العراقية اليوم السرية منها و العلنية نماذج صارخة للتناقض المعلن بين الصورة الديمقراطية الزاهية التي يتحدث بها الإعلام العراقي الرسمي و بين الواقع المهول الأسود الذي كشفت عن فضائحه الثقيلة الإنتفاضة الشعبية العراقية و التي جعلت السلطة تقدم تنازلات هائلة فضحت المستور و اكدت صحة أقوال المعارضين البعيدين عن الطائفية و المؤمنين بعراق حر موحد يسمو شعبه فوق الصراعات العبثية الطائفية الفاشلة، ففي الوقت الذي يسير العالم نحو الحرية و كرامة الإنسان تقود أحزاب السلطة العراقية العراق نحو جحيم ( تازمامارت ) عراقية جديدة، الدكتاتورية تعيد صياغة ذاتها بشكل طائفي فج في العراق.. تلك هي الحقيقة التي ستدوس عليها الإنتفاضة الشعبية العراقية الجبارة.. ولا عزاء للمفلسين من الطائفيين والقتلة.....

[email protected]