1

قبل أيا م صرح أحد كبار رجال الدولة العراقية (!) في عاصمة الجمهورية الإسلامية الإيرانية أثناء لقائه كبار المسؤولين الإيرانيين في طهران إن العراق سوف يسلم من بعض مجاهدي خلق الإيرانيين الذين يثبت تورطهم في أعمال مضادة لإيران إلى السلطات الإيرانية، وعلى أثرها صرح أحد أعضاء مجلس النواب العراقي، محسوب على كتلة الائتلاف الحاكم وعضو كبير في الحزب الذي انتهت إليه رئاسة السلطة التنفيذية، إن العراق لن يسلم مجاهدي خلق إلى إيران، بل سوف يخيرهم بين الرجوع الطوعي إلى إيران أو يختارون أي دولة يرمون اللجوء إليها. لم يمر على هذين التصريحين المتناقضين ساعات حتى توجهت قوة عسكرية أمريكية لتستقر في وسط معسكر مجاهدي خلق! ماذا يعني هذا؟
في لغة السياسة يعني هذا إن القوة الأمريكية المذكورة أعلنت حمايتها لهؤلاء ضد كل محاولة لطردهم أو تسليمهم إلى إيران، وبالتالي، فإن أمر (مجاهدي خلق) هو بيد الأمريكان وليس بيد الحكومة العراقية، بل وأن أي إ جراء من هذه الحكومة يهدف إلى المساس بمجاهدي خلق بأي شكل من الأشكال كان هذا المس، هو مرفوض من القوات (المحتلة)، حتى لو صدر الأمر من أكبر مسؤول في البلد.
فهل السيادة على الأرض العراقية في مثل هذه المفارقة هي للحكومة العراقية أم للقوات (المحتلة)؟ وكيف تجرأ هذه القوات على مثل هذا التصرف بعد توقيع تلك المعاهدة التي تمنع على الأمريكان أي تصرف من دون إذن العراق؟ وهل أتخذ الأمريكان إذن الحكومة العراقية في مثل هذا التصرف الغريب؟ ولماذا لا تقوم بهذه المهمة القوات العسكرية العراقية؟
2:
في ذروة النقاش الحامي حول الاتفاقية الأمنية العراقية الأمريكية بين مؤيد ومتحفظ ومعارض، صرح المؤيدون وفي مقدمتهم المسؤولون المتقدمون في الدولة، إن أي تأجيل أو رفض للاتفاقية سوف يترتب عليه انسحاب القوات الأمريكية من العراق فورا! ماذا يعني هذا؟
في لغة السياسة يعني إن أمن العراق النسبي الآن هو ببركة الوجود الأمريكي، وإن أي انسحاب لهذا الوجود سوف يربك المعادلة الأمنية كلها، ولذلك صار الانسحاب ا لمفاجئ مادة تهديد من قبل المصافين مع الاتفاقية وعلى رأسهم السلطة التنفيذية برموزها الكبيرة، وبالفعل كان لهذا التهديد دوره في إمضاء المعاهدة المذكورة.
السؤال هنا، إذا كان الانسحاب المفاجئ للأمريكان هو مادة تهديد للحصول على مكاسب أو تحقيق إمضاءات، أو تعجيل مطالب من قبل الطرف الفاعل في الدولة العراقية، فأين هي سيادة العراق على أرضه، وعلى مصيره، وأين هي المنجزات الأمنية للحكومة العراقية في الصميم؟
لست أعرف معنى للسيادة في مثل هذه المعادلة الغريبة، ثم أين الإدعاء بأن القوات المسلحة العراقية قادرة على ملئ الفراغ فيما إذا انسحب الأمريكان فجأة ومن دون مقدمات من العراق؟ إن كل هذه المقتربات تؤكد إن سيادة العراق على أرضه ونفطه وأمنه وسلامة شعبه ناقصة، وهي عرضة للزلزال بين عشية وضحاها.
3:
ولنكن واقعيين، ترى أي سيادة للعراق وما زال هناك قوات أمريكية على أرض العراق؟ ربما يضربون مثلا بالوجود الأمريكي في اليابان والمانيا، ولكن هذا قياس مع الفارق، فإن اليابان دولة اقتصادية عملاقة، وتتعامل مع الامريكان من مواقع قوة كثيرة، منها اقتصادها واستقرارها ورسوخ الديمقراطية فيها، وكذلك المانيا، فيما العراق ما زال يئن من وطئة الإرهاب، وما زالت الحكومة هي حكومة توافق محاصصات طائفية وعرقية، ووزارة الحوار الوطني ما زالت باقية، مما يعني إن المصالحة الوطنية ما زالت متعثرة، وإن كان تأسيس وزارة كهذه مفارقة غريبة ومثيرة للجدل حقيقة، ولكن مع كل هذا وذاك، فإن العراق اليوم ما زال محتلا، بدليل استمرار القوات الأمريكية في العراق، ولسنا ندري كم هي علاقة الامريكان بهذه العشيرة أو تلك، وكم هي علاقة الامريكان بهذا الضابط الكبير أو ذاك...
إن سيادة العراق على أرضه وحدة لا تتجزأ، إنها تعني خلو العراق من كل جندي أجنبي، وتعني خلو دوائر الدولة المهمة من كل صديق لدولة جارة! وتعني أن قرار (مجاهدي خلق) بيد الحكومة وليس بيد الأمريكان!
4
سؤال آخر يطرح، هنا، نفسه: ترى هل يخفى على المراقب المهتم بالشأن العراقي، بأن الأمريكان يملكون في داخل العراق سجونهم الخاصة، وجيشهم السري الخاص، وأمنهم الخاص؟
وهل تم تصفية كل هذه الجيوب الأمريكية السرية الخبيثة؟
أن القول بسيادة العراق الكاملة على أرضه وشعبه وما ئه وخيراته وأحزابه إدعاء ليس بسيطا، وليس سهلا، خاصة في ظل فوضى اقتصادية عارمة، وفساد مالي قيل أنه الأسوأ في العالم، كذلك بطالة مفجعة، ولا يبدو في الأفق ما يشجع على حل مشكلتها في الأمد المتوسط فضلا عن العاجل، وهل السيادة تنفصل عن كل هذه المقتربات المهمة؟
ربما الآخرون يفهمون السيادة بهذه الصورة المشوهة، وعند ذلك حتى الصومات تملك سيادتها الكاملة على أرضها وبحرها وشعبها وموزها!
يبدو إن القول بأن العراق حقق سيادته كاملة على أرضه نابع من أحد أمرين على أقل تقدير، أما من جهل سياسي بمعنى السيادة، أو من رغبة في تحقيق مصالح سياسية ذات نكهة حزبية أو شخصية، والله أعلم.