إيلاف: تخطو "إيلاف" بثقة نحو مزيد من التجدد لتكمل عامها الحادي والعشرين في فضاء الإعلام الرقمي، وتفتح الأبواب على سنة جديدة ملؤها العطاء والازدهار والبحث عن الحقيقة. إلامَ تردّ استدامتها هذه؟

الجواب عن السؤال يدخل في باب السهل الممتنع. السهل أن نقول إنها "الرؤية"، والممتنع أن نفي الجهد المبذول لتنفيذ هذه الرؤية حقه. إنها رؤية بدأت حين راودت عثمان العمير، ناشر "إيلاف" ورئيس تحريرها، خاطرة رقمية، فغرد خارج السرب، وما كانت بعدُ هذه الخاطرة مصنفة ضمن الممكن، فأطلق من لندن صحيفة "إيلاف"، لتكون أول صحيفة إلكترونية عربية على الإطلاق. حينها، في عام 2001، كان الورق في عزه، وكانت معظم البيوت تفتقر إلى أجهزة الكمبيوتر، ولم يكن تصفح الإنترنت أمراً شائعاً، بل إن فضاء الإنترنت لم يكن قد اعتاد التعددية والتنوع.. وقد أثارت خطوة العمير استهجان العالمين، لا سيما حين قال في حينها إن الغد هو غد الانترنت، وسرعان ما اتضح بمر السنوات أن "الرؤية" باتت حقيقة راسخة.


عثمان العمير، ناشر إيلاف ورئيس تحريرها

إنها رؤيةٌ تسبق عصرها كما يصفها خالد المالك، رئيس تحرير صحيفة "الجزيرة" السعودية، ولا يراها إلا من تربّى في كنف "إيلاف" وبين صفحاتها الكثيرة. حينها، كثيرون أشفقوا على العمير من هول مغامرته هذه. منهم من نعت خطوته بـ "الجنون"، ومنهم من أدار له الظهر... حتى شقت "إيلاف" طريقها، فصار الاحتفاء السنوي بنجاحها "احتفاء بلحظة الخليج العربي" كما يقول الكاتب الإماراتي عبدالخالق عبدالله، وتحققت مع "إيلاف" الإضافة النوعية منذ أول يوم في انطلاقتها، بحسب علي تميم، رئيس تحرير موقع 24 الإخباري، وبرهنت "إيلاف" على أن "الفكرة الذكية تصنع الفرق"، كما يقول الكاتب السعودي توفيق السيف، وهي دائمًا وأبدًا "ملاذ المتابعين الراغبين في قراءة ومتابعة الاخبار والتقارير الصادقة"، بحسب شهادة فريد أيار، الامين العام لاتحاد وكالات الانباء العربية. ولا يخفي الصحافي السعودي عبدالرحمن الطريري إعجابه بمسيرة "إيلاف" فيكتب في "عكاظ" السعودية: "لا تملك إلا أن تحب إيلاف لسبب بسيط، أنها قررت أن تمارس الصحافة، وبالتالي تلح في أسئلة يسكت عنها الآخرون".

الرأي والراي الآخر
في العقدين الماضيين، ظهرت عشرات الصحف الإلكترونية العربية، لكن قلة منها استمرت، وقلة أقل حافظت على جديتها ومهنيتها وصدقيتها في تقصّي الخبر وما وراءه، وعلى شمولها المجالات كلها التي تهمّ القارئ العربي. وفيما كان متوسط عمر أي من هذه الصحف الإلكترونية العربية نحو ثلاثة أعوام لا أكثر، أن تنهي "إيلاف" عامها الحادي والعشرين هو إنجاز مهني في ذاته، خصوصاً في زمن لا يُغادر صعوبة إلا وضعها في طريق الإعلام الرقمي.

عاصرت "إيلاف" في واحد وعشرين عامًا من العطاء الإعلامي أحداثًا كبيرة في البلدان العربية، وفي العالم، وفي مقدمها ثورات الربيع العربي، فعرفها الجميع - من ناصرها ومن عاداها - نصيرًا للحق ومشعلًا للحقيقة. وقد قال فيها الناشط الحقوقي جمال عيد، مدير الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان، إن التاريخ سيذكر دائماً أن "إيلاف" كسرت الكثير من الخطوط الحمراء، "فهي من المواقع الإخبارية الكبيرة التي أثبتت وجودها بالصدقية والمهنية، وهي مرجع في تكريس حرية الرأي والرأي الآخر، فكانت من أهم المواقع الإخبارية التي ساهمت في مراكمة الوعي عند أبناء دول الربيع العربي".


عثمان العمير متحدثاً في حفل خاص أقامته "إيلاف" في دبي، بالتعاون مع منتدى الإعلام العربي، في آذار (مارس) 2019 معلناً سلسلة خطوات لتحديث الصحيفة وإطلاق مشاريعها الجديدة

ويقول الدكتور عادل عبد الصادق، مدير مشروع المركز العربي لأبحاث الفضاء الالكتروني، إن صحيفة "إيلاف" الإلكترونية ساهمت بجهد واضح في إنتاج الأفكار الحقيقية، "وإحداث حراك فكري دائم في العالم العربي".

هذا الكلام تأكيد على ما عاهدت به "إيلاف" قراءها منذ البداية. فالرأي الآخر مقدس، والإصغاء إلى ما يقوله هذا الآخر قرار لا رجوع. لهذا، شرّعت "إيلاف" صفحاتها للكتاب وللقراء ولكل صاحب رأي أو فكر أو مشروع. إنها علاقة تفاعلية – تبادلية بين "إيلاف" والجمهور: يقرأها وتقرأه. وهذا ما وضعها في عام 2009 وما بعده بين أوسع المواقع الإخبارية العربية شعبية وأكثرها تصفحًا، بشهادة بيوت البحث والبيانات، ومنها وزارة الخارجية الأميركية بالذات، فضلاً عن المواقع المتخصصة، علمًا أن أي إنجاز لـ"إيلاف" يُحسب لها مضاعفًا، فلا محطة فضائية إخبارية تدعمها ولا إذاعة عالمية. حينها ردّ برينت بلاشكي، المدير التنفيذي لمشروع الدراسة التي قامت بها الخارجية الأميركي، اختيار "إيلاف" إلى عدد متصفحيها الكبير.

تأصيل التعددية
ويشهد الكاتب نصر المجالي أن "إيلاف" رسخت منذ بداياتها الأولى نهجًا في تأصيل التعددية الثقافية والفكرية، وعمقت من خلال كتابها ومحرريها الذين ينتمون إلى الاتجاهات مختلفة مبدأ التعبير عن الذات والحوار الحضاري واحترام الرأي الأخر بتوفير فرص التفاعل والمداخلات المستمرة والتواصل بين الإعلامي والجمهور بطرق مختلفة. بهذه الصفات صمدت "إيلاف" في وجه الأنواء، وبقيت على عهدها في الحرية، معززة "لغة نقاش جادة ورصينة ومسؤولة"، بعيداً عن الشتم واللطم والتخوين، حتى حين تطرق كُتابها إلى موضوعات حساسة في الدين والدنيا. وهذا ما حشد وراءها نحو أربعة ملايين متابع في مختلف منصات التواصل الاجتماعي، يشاركون في أي نقاش على صفحاتها، بعدما بسطت "إيلاف" مفردات السياسة العربية، مبتعدةً عن الخطاب الفارغ، فصارت موضوعات السياسة والاقتصاد والاجتماع بمتناولهم جميعًا.

يقول عبدالرحمن الطريري في "عكاظ": "مع مرور السنين يتساءل المرء هل شاخت إيلاف، فيأتيه الرد من الناشر الناشط على تويتر بتغريدة يقول فيها، ’كل من يمارس الصحافة شباب حتى يعتزل‘، وبالتأكيد أبو عفان (عثمان العمير) وإن تنحى إلا أن الصحفي فيه لم ولن يعتزل، وما الصحفي سوى التساؤلات الملحة كل صباح". فعليًا، التساؤلات كثيرة، واليوم، يؤسس العمير على عقدين من هذه التساؤلات ليخوض غمار إعلام متخصص لم يعهده العرب كثيرًا.. ها قد بدأ بالرفاهية، فأين ينتهي؟


من اليمين: جيمس لامونت، مدير الشراكات الاستراتيجية في فايننشال تايمز؛ وعثمان العمير، ناشر إيلاف ورئيس تحريرها؛ وجيمس لاند، المدير المالي في فايننشال تايمز

يتمادى في خاطرته
وكتأكيد على الشباب الصحافي الدائم، مضى العمير العام الماضي في اتجاه جديد، ليعلن شراكة كبرى بين "إيلاف" وصحيفة "فايننشال تايمز" البريطانية العريقة، كان من أولى ثمارها إطلاق مجلة الرفاهية العصرية How To Spend It Arabic، والموقع الإلكتروني الخاص بها. يقول العمير: "لكل امرئ من اسمه نصيب". ألم يُشتق اسم "إيلاف"، لغةً، من الإلفة؟ ربما كان قدرها أن تؤلّف بين عالمين مختلفين، بين الشرق والغرب، في نظام لتبادل المعلومات والأفكار وتطورها في سياق من الحرية والتعددية. ربما لا تكون كلمتا حرية وتعددية "محمودتين" عند العرب، حيث الأنظمة والحكومات مصرّة على التحكم بالتدفق الحر للمعلومات والأفكار. وهذا ما يفسر ديمومة "إيلاف" واحداً وعشرين عامًا. السر كل السر في ارتباطها وثيقًا بالليبرالية وحرية التعبير، بوصفهما شرطين أساسيين لحياة كريمة في مجتمع حديث.


عثمان العمير في حفل إطلاق مجلة How To Spend It Arabic في لندن

يعود العمير إلى الابتسام. يقول: "هذا مشروع رؤيوي". يصمت. لك أن تدرك، مهمن كنت، أن هذه هي كلمة السرّ دائمًا: الرؤية. ألم يُطلق العمير "إيلاف" من رؤية، حين كان الجميع مصدقًا أنّ لا ما يهزّ عرش الصحافة الورقية؟ وبعد عشرينية "إيلاف" في العام الماضي، كان محتمًا ألا يستهل العمير عقدًا ثالثًا إلا بـ "حدث جلل". فكانت مجلة How To Spend It Arabic هي الحدث. يقول العمير إن فلسفة إطلاق هذه المجلة تقوم على التأسيس لمبدأ إمكانية نشوء نوع جديد من التحالفات بين كبريات دور النشر والإعلام دوليًا، مثل "فايننشال تايمز" التي تأسست في عام 1888، وبين الأصغر حجمًا والأحدث سِنًا كما إيلاف؛ وعلى المحتوى، فلكلمة "محتوى" اليوم فعل السحر. إنها محط أنظار الناس وأفكارهم، يُنزلونها بمنزلة تعريف جديد لمهنة "صناعة العقول المستقبلية".

المحتوى الفريد
كلمة "محتوى" نفسها، الرائجة اليوم، كانت قبل بضعة أعوام هي ما دفع "إيلاف" إلى شراكة مع هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي الخدمة العالمية)، تقضي بتزويد "إيلاف" بمحتوى تنتجه "بي بي سي عربي"، ليبدأ العمير مسيرة جمع العالم العربي التائق إلى المعرفة مع الهيئة البريطانية التي تعد من أهم منتجي المحتوى المعرفي والاخباري في العالم. يعود العمير إلى ابتسامه: "تذكروا المعنى الحقيقي لـ’إيلاف‘".

إنها الرؤية نفسها، من جديد. وليس الجلل في ما ولّى وعُرف، إنما الجلل في ما سيُعرف في مقبل الأيام. وبعد 21 عامًا من نجاح "إيلاف"، عثمان العمير هو خيرُ من خبّأ المفاجآت.