إرتفعت في العراق أعداد الجرائم المرتبطة بعصابات تشكل حلقات إجرامية منظمة هدفها النصب والإحتيال وإختطاف مواطنين للحصول على فدية عالية، وترجح الباحثة الإجتماعية صبيحة عبد جاسم إنتشارها الى تفشي البطالة والإنفتاح على بعض دول الجوار، بينما يشير عبد الكريم ذرب، عضو مجلس محافظة بغداد ورئيس اللجنة الأمنية، الى أن الاجهزة الامنية بدأت تأخذ دورها بإيقاع أفراد هذه العصابات بيد العدالة.

بغداد: كثرت في الآونة الاخيرة في بغداد عصابات هدفها النصب والإحتيال وإختطاف مواطنين ومحاولة إبتزاز عائلاتهم للحصول على أموال طائلة بطرق ملتوية تنم عن إحترافية عالية في عمليات السرقة والإختطاف التي ترقى الى مستوى الجريمة المنظمة.

ويتناقل عراقيون قصصًا عن أشخاص يمارسون عمليات الإختطاف بطرق غريبة عن المجتمع العراقي الذي لم يكن يعرفها قبل سنوات، إيلاف كانت لها وقفة مع عدد من هؤلاء المواطنين الذين وقعوا ضحية هذه العصابات.. يقول وسام حسين، مالك لسيارة بيجو تكسي حديث وطالب في كلية القانون المسائية المرحلة الثالثة، يعمل سائقا في الصباح ويواصل دراسته مساء، تحدث الينا حول ما جرى له عندما وقع ضحية هؤلاء: عندما خرجت الى العمل صباحا قام إثنان باستئجاري في منطقة شارع فلسطين الى منطقة الدورة، تتراوح أعمارهم بين السابعة والثلاثين والاربعين، وعلى الطريق كنا نمزح ونتحدث حول كثير من المواضيع، وعند وصولي للمكان المطلوب نزل أحدهم الى محل لكي يشتري اشياء وعندما تذمرت من تأخره وعدني صاحبه انه سوف يعطيني أجرتي بالكامل ولن يبخس حقي.. أثناء ذلك عاد الاخر وهو يحمل مجموعة من علب العصير وقام بتقديمها لي، ولكن الذي استغربت منه ان علبة العصير فتحتها بيدي ولا اعرف الطريقة التي وضع بها المخدر.

ويتابع وسام حديثه: عندما شربتها وجدت نفسي بين أهلي وفي بيتي، وعندما سألت قالوا لي إنني في غيبوبة منذ عشرة ايام وتم رميي على قارعة رصيف حيث وجدني اهلي بعد ان دفعوا مبلغا قدره 25 الف دولار الى العصابة التي اختطفتني.

ويضيف وسام عندما كنت في الطريق كانوا يسألونني ما هو عمل والدك وكم أخًا عندك ومن هو المسؤول في البيت، وهل هذه السيارة مصدر رزقك. اسئلة لايخطر في بالك إلا كونها اسئلة عادية ولكن هم يسألونها بين حين واخر وليس بطريقة تتابعية لكي تبدو طبيعية وبطريقة ذكية، ويضيف ان المفاوضات التي جرت مع والدي لم أكن على علم بها لأنني كنت في غيبوبة. ويرى وسام ان الهدف ليس السيارة الحديثة quot;ولكن حتى يتم مساومة اهلي على دفع الفديةquot;.

أما بلال احمد عبد الغفور فذكر أنه قد تم تأجيره من قبل أشخاص من منطقة ملعب الشعب الى منطقة بغداد الجديدة، بحجة أنهم سوف يأخذونه ذهابا وإيابا لأنهم قاموا بشراء سيارة لايعرفون عنوان صاحبها، فنزل أحدهم ينظر الى الأزقة والى أرقام الدور تحت ذريعة أنه يبحث عن عنوان صاحب السيارة، ولكنه قال لي لقد تعبت من البحث فلا بد من شراء عصير لأنني عطشان وسرعان ما قدم لي شرابه والذي على أثره تم تخديري وسرقة سيارتي، ومن ثم قاموا بأخذ فدية من أهلي مقدارها 12 الف دولار. ويستغرب بلال من أن افراد هذه العصابات لديهم ذكاء غير عادي في إستدراج الضحية، لكنهم يستخدمونه في أعمال شريرة.

حادث مشابه وقع لحسين خلف موظف في وزارة الصحة وسائق سيارة في المساء، قال إنه في إحدى المرات قامت إمراة لديها أطفال باستئجاري في شارع المغرب، وفي الطريق دار حديث عن الكثير من الأمور المعيشية وغيرها وبعد فترة قليلة قامت بإعطاء أطفالها حلوى وقدمت لي أنا كذلك، بعدها إستيقظت وانا نائم على الرصيف وسيارتي قد سرقت.

من جانب آخر قالت الحاجة أم خضير65 سنة إنه تم النصب عليها عندما قدم أحدهم نفسه لها ان يعيش في الامارات وعلى عجلة من أمره في العودة الى أهله ويملك نقودًا يود ان يصرفها، مضيفة أنه أخبرها أن هذه النقود تساوي الشيء الكثير اذا ما تم تصريفها الى العملة العراقية. فأخبرته انها لا تملك هذا المبلغ تحت يدها، فقال إنه لا يمانع أخذ خواتمها مقابل هذه النقود، فأعطته الخواتم وذهبت الى مكاتب التصريف لتصدم بأن هذه النقود هي عملة قديمة لدول إشتراكية لا تساوي الا الشيء القليل.

الباحثة الإجتماعية صبيحة عبد جاسم، حائزة على دكتوراه في قسم الإجتماع الجامعة المستنصرية، أرجعت إنتشار عمليات النصب والإختطاف هذه الى تفشي البطالة التي أصابت آثارها كل مفاصل الحياة وبالذات التابعة للقطاع الخاص، بعد أن توقفت المصانع الصغيرة التي كانت تضم مئات الالاف من العاملين، فلجأ الكثير من الشباب الذين لايملكون حصانة ثقافية ودينية وتربوية الى سلوك هذا المسلك.

ساعدهم على ذلك الإنفتاح على بعض دول الجوار حيث تقوم بعض العصابات بتهريب المخدرات التي اصبح لها اثر سلبي على المجتمع العراقي الذي كان يعتبر من البلدان المحصنة إجتماعيًا وثقافيًا أمام قضية المخدرات التي أصبحت من الظواهر التي برزت بكثرة في الشارع العراقي. والأسباب التي تقف وراءها كثيرة أولها الفقر والعوز والبطالة المتفشية بين أوساط الشباب الذين يبحثون عن عمل، وهم من خريجي السنوات السابقة ولكن دون جدوى، بالإضافة الى الفساد الاداري المستشري في مفاصل المؤسسات الحكومية، حيث لا يتم تعيين شخص إلا مقابل مبالغ كبيرة من المال.

ويقول عبد الكريم ذرب، عضو مجلس محافظة بغداد ورئيس اللجنة الأمنية لإيلاف: إن الأساليب التي يتبعها المجرمون تزايدت بعد السقوط، نتيجة تشكيل حلقات إجرامية منظمة وأصبح التعاطي مع هذا الجانب سهل، لأن عصابات الجريمة أصبحت في حال تواصل بغياب القانون بعد عام 2003.

ويشير ذرب الى أنه بعد تشكيل الحكومة وعندما بدأت الاجهزة الامنية تأخذ دورها، تغيرت الصورة فوقع اكثر افراد هذه العصابات بيد العدالة. واضاف الذرب ان هذا جاء نتيجة تفعيل المعلومة بتشجيع المواطن البغدادي على التعاون مع الأجهزة الإستخباراتية عن طريق مجلس محافظة بغداد الذي يضم 24مجلسا محليا ضمن الرقعة الجغرافية للعاصمة بغداد، وتشكيل حكومات محلية إستطاعت التقليل من إنتشار الجريمة المنظمة.

أما ظاهرة المخدرات التي اصبحت متفشية في العراق فيربط ذرب بينها وبين ظاهرة الخطف، ويربطها كذلك بوجود أجندة دولية ودعم إقليمي خلفها، حسب قوله، ويرى أنها تسعى إلى تذويب الشخصية العراقية الأصيلة من خلال بث هذه السموم.