لعل من حسن حظ هذا المهر العربي الأصيل المنطلق إلى آفاق الحضارة بمعناها المعاصر أن منظري عرب الشمال (الثورجية) لم يمروا بدبي عند التأسيس. كانت علاقات دبي بالشرق الآسيوي أقوى منها بعرب الشمال، وبثقافات عرب الشمال وأيديولوجياتهم. هذا القرب أو لعله التقارب هو ما جعل دبي تتجه شرقاً لا شمالاً، فكانت تجربتها التنموية هي التجربة العربية الوحيدة التي أثبتت أنها الأفضل بكل المقاييس كما تقول الأرقام، في منطقة لعبت فيها الأيديولوجيا، وعاث فيها الثورجية - عروبيون وإسلامويون - فساداً، فاختلط حابلها بنابلها، وعاقلها بجاهلها، ومهرها الأصيل بمهرها (الكديش)، فأنتجت دولاً تقوم وتتمأسس على عبادة الحاكم الفرد، تسبح باسمه صباح مساء، وتملأ تماثيله كل الساحات، وكأنه صنم يعبد من دون الله، ويلف الفقر نصف السكان، والنصف الآخر يعيش على حافة الفقر، وغاية ما يتطلع له المواطن أن يشد رحاله هرباً من تلك السجون التي تسمى دول.

تَجوّل - بالله عليك - في دول الشمال العربي، بدءاً بالعراق، فالأردن، ففلسطين، فلبنان، وانتهاء بسوريا، ثم مل قليلاً إلى اليسار لتجد مصر عبدالناصر، وسودان النميري، ومن ثم ليبيا القذافي الذي لم يُخلق مثله في البلاد، فلا تجد إلا الفشل التنموي بكل ما تحمله الكلمة من معنى . ربما أن لبنان يختلف قليلا، أما البقية فلا يتنافسون إلا في من هو الأشد قمعاً. فالأمن هو أمن الحاكم أولاً، و المال والثروة هي فقط للحاكم، وقصراً على أهل بيته الأقربين، وفي سبيل بقائه يمسك بمقاليد السلطة دون شريك، يجد في السجون طمأنينته، وفي كتم الأنفاس راحته، وفي السياط وتقليع الأظافر العلاج السحري لكل من فكر أن يقول : (لا). وفي عرف ساسة عرب الشمال، هناك فرق بين الشعار والتطبيق، ارفع ما تشاء من الشعارات في الصباح، وفي الليل تغوّط عليها، ومن اعترض فهو رأس المؤامرة، عميل أمريكا والصهيونية، يجب أن يُسحل فوراً حماية للأمة من مؤامرات هذا الخبيث، وبعد سحله ارفع شعار العقيد الثائر: (طز مرة ثانية في أمريكا وبريطانيا)، ولا تنس أن تلوح بساعديك وأنت ترددها، كما يفعل العقيد ورجاله الأشاوس.

أما في دبي فليس ثمة وجود لهذه اللغة، وهذه الشعارات، وهذا المنطق، وهذه العقليات. لو قلت مثلاً : (الله ومحمد بن راشد ودبي وبس) لاعتبرك أهل دبي مجنوناً وأدخلوك إلى مستشفى الصحة النفسية. التنمية هي (شرعية) بقاء الدولة، بقاء دبي مرتبط بها، وزوالها يعني زوال دبي، فليس ثمة شرعية لهذه الدولة غير التنمية الاقتصادية. كل ما نسمعه ونقرؤه في عواصم عرب الشمال لا وجود له في دبي، فالناس هنا مشغولون بالتنمية، وبالبناء، وبالاقتصاد، وبالاستثمار، وبترسيخ الدولة (السبّاقة)، فهم لا ينظرون إلى الخلف، إلى الخيل (الكديش) خلفهم في المضمار، وإنما ينظرون إلى الأمام، همهم أن يصلوا إلى مصاف النمور الآسيوية، حيث الرفاه والتقدم تثبته الأرقام، ويحفه الأمن والاستقرار، وترسخه القدرة على استقطاب رؤوس الأموال، فبُنية دبي التحتية تقوم على دعم خدمات التنمية بمعناها الواسع، لذلك حلقت دبي في العلالي، وبقي عرب الشمال، وثقافتهم، وأحزابهم، وثورجييهم، وإعلامهم، ومثقفيهم ، في أسفل سافلين.

يقول التاريخ : إن عبدالخالق حسونة أمين عام الجامعة العربية في الستينات انزعج لما رأى دبي تعتمد على العمالة الآسيوية، فطلب من مؤسس دبي الحديثة الشيخ راشد المكتوم، والد الشيخ محمد، أن يستبدلهم بالعمالة العربية، فرفض، وبرر رفضه بالقول : كل عشرة عمال عرب أحتاج إلى عشرة أفراد من الشرطة كي يراقبوهم، بينما العمالة الآسيوية أتوا بحثاً عن العمل والإنتاج ولقمة العيش وليس ليثوروا البلاد. ربما أن هذه النظرة الذكية هي التي جعلت دبي تنجوا من أمراض عرب الشمال وأيديولوجياتهم، وها هي اليوم دبي تكاد أن تصبح أحد النمور الآسيوية، لا دولة يسعى أهلوها بصدورهم العارية لإسقاط النظام الذي أذاقهم كل أنواع الذل والإهانة، ومعها الفقر والعوز والجوع، كما هو الوضع عند عرب الشمال اليوم