عندما تناول القران موضوع اليهود، فانه انطلق في ذلك من ظروف الدعوة الإسلامية القائمة آنذاك، والصراع الذي كان اليهود يدخلون فيه أحيانا كجزء من سنة التاريخ، وإلا فان الإسلام قد فصل بين اليهود كأمة وتاريخ وبين موقفهم الآني من الدعوة، وأعطى إشارات واضحة على أن الكثير من أحداث ماضي اليهود، هي جذور مهمة للدعوة الإسلامية بل ويحترمها الإسلام احتراما كبيرا ويتعاط معها على أنها جزء متصل بتاريخ الإسلام،على الرغم من أن لبعض تلك الأحداث إيحاءات معينة، قد تعطي أبعادا مختلفة عما نعلمه عن قضية الصراع العربي ndash; الإسرائيلي، ومن المفارقات أن الإسلام يحتفي بدخول اليهود إلى فلسطين في عهد طالوت وداود ويعده نصرا للمؤمنين بشكل عام في وقت يجاهد فيه القوميون العرب لإبراز العكس، أي إثبات ملكية العرب القديمة لفلسطين وأحقيتهم بها استنادا إلى تلك الملكية التي يطرحها المشروع القومي، وبالتالي سنلحظ شيئا من التناقض بين إقرار الإسلام بتلك الملكية و تكذيب القوميون العرب لها، فلابد وفق المنطق التقليدي أو المعمول به أن يكون احدهما لا كلاهما صحيح، فان كان القوميون محقون في ادعاء ملكية العرب القديمة لفلسطين، كان لزاما إذن من ننظر إلى رأي الإسلام على انه متناقض مع تلك الحقيقة، أما إذا كان العكس، لابد إذن من أن يكون القوميون العرب مخطئون أو على الأقل هم متناقضون مع ما يطرحه الإسلام بصددها، إذن الم يحن الأوان بعد لقراءة جديدة تتجاوز تلك القراءة القديمة المتهافتة؟

أليس الأجدى بالعرب وهم مقبلون على مفاوضات شاقة وصريحة مع إسرائيل؟ من البحث عن قراءة واقعية ومنطقية للماضي، تسهم بشكل من الأشكال في رفع اللبس عن الكثير إشكالات الحاضر وقضاياه الشائكة، لأننا بقراءتنا القديمة نساهم دون أن نشعر في إضاعة الكثير من فرص السلام الواقعية، ونطيل أكثر من زمن المحنة الفلسطينية التي طالت أكثر من اللازم، بعد أن مضى عليها إلى الآن عقود عدة.


إن علينا إذن أن نعترف بان تاريخ اليهود هو جزء مهم وحيوي من تاريخ المنطقة، وان روابطهم معنا كعرب أو مسلمين واضحة ومعلومة ولا يمكن تجاهلها أو القفز عليها لأي سبب من الأسباب، لان الإسلام عندما تكلم عن ذلك التاريخ أو تلك الروابط، فانه تكلم عنها بايجابية و لم يتجاهل الصلة التي تربط اليهود بالمنطقة وبتاريخها كما يفعل بعضنا الآن، بدليل انه قد ربط بين الدعوة الإسلامية والدعوات التي يؤمن بها اليهود أو يعدونها كجزء من تاريخهم، ومنها بشكل خاص دعوة إبراهيم الخليل التي عدها الإسلام جذرا قديما له، وبالتالي لا احد يمكنه أن ينكر أن جزءا مهما من القران قد تناول تاريخ اليهود وغالبا بايجابية، فالآيات التي عرضت باليهود وهي قليلة مقارنة بغيرها، لم تأتي إلا من منطلق اللوم والعتب، وإلا هي لم تنكر أبدا تلك العلاقة التي أشار لها القران في أكثر من مكان، ولم تحاول أن تنفي الروابط التي تربط العرب أو المسلمين باليهود سواء من الناحية العنصرية أو العقيدية.


إذن أيهما اصح أن نبني على تاريخنا وعلاقتنا القديمة، أم على خلافاتنا ومشاكلنا التي تبلورت في لحظة زمنية معينة والتي لابد أن يتجاوزها الزمن أيضا.
لاشك إننا معنيون بخلق علاقة جديدة تستلهم ذلك الماضي وتبني عليه، فهذا ما يدعم مسيرة السلام التي ينشدها الجميع.